د.مصطفى الفقى : لقد حاربنا الذباب !!

377649يحكى أن أحد السائحين ذهب إلى بلد أسيوى جميل لكن ما إن وصل إليه حتى أكتشف أن جمال هذا البلد يشوهه كثرة الذباب (الرزل) الذى لا يخلو منه مكان وذات يوم فوجئ بمطعم يضع لافتة دعاية كتب عليها: لقد حاربنا الذباب ، ففرح الرجل ودخل إليه سريعاً ، لكن بمجرد جلوسه هجم عليه سرب من الذباب ، فنادى الجرسون وقال له:

– ما هذا الكذب ..ألم تقولوا انكم حاربتم الذباب؟

فأجابه الجرسون فى خجل :

– نعم قلنا ذلك ، لكننا لم نقل أننا خسرنا الحرب !؟

تصلح هذه النكتة نموذجاً للدعاية الكاذبة المضللة التى تستخدم انصاف الحقائق ، بينما تخفى النصف الآخر من الحقيقة الذى ينسف ما يوحى به النصف الأول!! فكما يقول قداسة البابا شنودة : إن أنصَاف الحقائق ليس فيها إنصاف للحقيقة.

ولأن الدكتور / مصطفى الفقى  دبلوماسى قديم ، وسياسى من نوع مختلف فلم ينفى وجود مشاكل للأقباط بشكل فج كما إعتادت الحكومة أن تفعل منذ عقود، بل لجأ لدعاية انصاف الحقائق المضللة ، لتجميل وجه النظام العنصرى القبيح أمام الاقباط فى واشنطن خلال لقاء مهد له بمقال عنوانه حوار العصر: الأغلبية والشأن القبطي ، وقد ردد فى مقاله وحديثه مجموعة من دعايات أنصاف الحقائق المضللة لعل أبرزها :

أن وضع الأقباط شأن داخلى وأقباط المهجر يستقون بالخارج ، ولن أرد على هذا الإدعاء الذى يعلم الدكتور مصطفى علم اليقين بطلانه وسخفه ،  بل يكفينى أن يرد عليه زميله الدبلوماسى د.محمد نعمان جلال سفير مصر السابق فى الصين والذى كتب بالحرف فى مقاله “المسـلمون في الصـين” :

” ان المسلمين في الصين شأن داخلي وهذا مبدأ دولي معترف به ولكن يرد عليه قيدان ان اية اقلية في اية دولة لم تعد شأنا داخليا كاملا لان هناك الحد الادني من الحريات وحقوق الانسان واي افتئات عليها يمثل خروجا علي المباديء الدولية والمواثيق الخاصة بحقوق الانسان،  والقيد الثاني ان مبدأ التدخل في الشئون الداخلية في تراجع لصالح مبدأ التدخل الانساني لوقف الانتهاكات الجسيمة ضد اية اقلية عرقية او دينية وهذا ما حدث في العراق وفي البوسنة وغيرهما” .

وقد نشر مقاله فى جريدة الأخبار الحكومية يوم 24/7/2009 ، فما رأيك فيما قاله زميلك يا دكتور مصطفى ؟؟؟!!!

أن نسبة كبيرة من الكنائس لا تملك ترخيصاً حتى الآن، وتناسى سيادته وجود كنائس أثرية شديدة القدم وسط هذه الكنائس ، وقد بنيت قبل عصر الدولة الحديثة ومكاتبتها الورقية وتراخيصها، بينما جزء آخر منها بنى فى  قرى ونجوع لم يسمع بها أحد ولا تستخرج اى تراخيص حكومية للبناء أو الهدم فى اى من مبانيها ، مثلها فى ذلك مثل المناطق العشوائية فى المدن والتى بنيت جميع مبانيها بما فيها الكنائس بدون تراخيص ، كما يتجاهل سيادته أن المسئول عن وجود كنيسة بدون ترخيص هى الحكومة التى تمنتع عن منح التراخيص وليس الأقباط الذين يلهثون سنوات طويلة للحصول على التراخيص الإدارية والقرارت الجمهورية ليس فقط لبناء كنائس جديدة بل ايضاً لترميم الكنائس القديمة التى تسقط على رؤوس المصلين.

أن إقدام الاقباط على التقدم لشغل الكوادر الخاصة والوظائف الحكومية لا يكون بمعدل أقرانهم من المسلمين، يعنى الأقباط هم المسئولين عن إستبعادهم العنصرى من التعيين فى النيابات العامة والإدارية !!! والسلك الدبلوماسى !!! والسلك القضائى والسلك الجامعى !!! والكليات العسكرية وكلية الشرطة !!! بل حتى فرق النوادى الرياضية !!! يا سيدى الفاضل يعرف كل قبطى المئات من قصص الإحباط التى تعرض لها معارفه وأقاربه فى كل المؤسسات السابقة وغيرها الكثير.

أن الجانب التعليمي والثقافي والإعلامي بدأ يستوعب الوجود القبطي. هذا الكلام عجيب لأنه على ارض الواقع تطبع الحكومة على نفقتها الكتب التى تهاجم عقيدة الاقباط وتكفرهم وتستحل أموالهم وأعراضهم وحياتهم مثل كتاب فتنة التكفير للدكتور محمد عمارة ، وتفرد لكتابها صفحات ضخمة ثابتة فى الصحف الحكومية لمهاجمة المسيحية وتحقيرها ، كما تطبع الكتب التى تخون الأقباط وتهاجم رموزهم التاريخية مثل المعلم يعقوب !؟

ثم اين الوجود الأعلامى القبطى فى تلفزيون الدولة بكل قنواته !! وهل من قبيل الإستيعاب الإعلامى رفض وضع أى قناة قبطية على القمر المصرى نايل سات بينما يمتلئ القمر بالقنوات الإسلامية لكل الطوائف والإتجاهات ؟! وهل يعتبر عرض فيلم “شفيقة القبطية” فى ليالى الأعياد إستيعاباً للمكون القبطى يا دكتور مصطفى؟؟!!

أن كثيراً من الأقباط الذين يتحدثون عن الاضطهاد يستخدمون ذلك ذريعة أحياناً للحصول على ما لا يستحقون ، الحقيقة ان هذه الجملة ليست نصف حقيقة بل هى باطل كامل ، إن الأقباط محرومين من حقوقهم الأصلية مهما طالبوا بها فكيف يمكنك أن تزعم أنهم يتذرعون بالإضطهاد للحصول على غير ما يستحقون ، إنهم لا يحصلون على اى شئ اصلاً لا حقوقهم ولا غيرها !!! ألم تسمع عن المعيدة  ميرا ماهر رؤوف التى حرمت من التعيين فى كلية طب المنيا بسبب مسيحيتها ، بل ألم تسمع عن الدكتور مجدى يعقوب الذى إضطهد فى كليته وحرم من كل حقوقه ، للأسف يا دكتور مصطفى لقد أصبح الاقباط محرمومين من أبسط حقوقهم الأساسية مثل الحق فى الأمن والعدالة.

أنه فى مقابل حالات زواج المسلمين من قبطيات يوجد حالات زواج لمسيحيين من مسلمات ، وهى نصف حقيقة تتجاهل وجود حالات خطف وزواج  لفتايات قاصرات مسيحيات لا يصح – بحكم القانون – زواجهن أو تغييرهن لدينهن ، ويتجاهل منع الفتاة القبطية من العودة لأهلها متى أدركت عمق المصيبة التى أوقعت نفسها فيها، والذى يصل الى حد العقاب الجماعى للأقباط لإعادتها كما حدث مع اقباط قرية طامية بالفيوم عندما هربت دميانة مكرم من زوجها المسلم فتم حرق وتدمير ونهب كل بيوت أقباط القرية وأعادها الأمن بقوة لزوجها !! كما يتجاهل هذا القول عدم تساوى المعاملة الحكومية والقانونية لكلا الحالتين ، فزواج المسلم من مسيحية حتى لو كانت قاصر تحميه الاجهزة الأمنية وتقبض على أهل الفتاة المسيحية وتهينهم وتجبرهم على عدم التعرض لها او محاولة أرجاعها مع تقديم كافة التسهيلات فى إستخراج وثائق الزواج وإشهار الإسلام للفتاة ، أما فى حالة زواج المسلمة من مسيحى فإنه يتم مطاردتها هى وزوجها وتهديدهم بل والقبض عليهم وسجنهم وتعذيبهم لإجبارهم بكل وسيلة على إنهاء هذا الزواج ، مما يدفعهم للفرار من الامن إلى الخارج وهو مالم يستطيع الدكتور الفقى ان ينكره.

أن صورة ما يجري في مصر مغلوطة أحياناً ومبالغ فيها دائماً أمام الأقباط والمسلمين في الخارج ، أين هذه المبالغة والمواقع القبطية صارت تقدم الحدث الموثق بالصوت والصورة والفيديو وبشهادة شهود العيان والضحايا الأقباط !!! أرجو أن تضرب سيادتك لنا مثلاً على هذه المبالغات !!!

أن 35 % من ثروة مصر فى أيدى الأقباط ، وهو إدعاء مكرر يعكس إضطهاد الأقباط وليس رفاهيتهم ، فالاقباط تاريخياً هم القادرين مالياً فى مصر الذين تمكنوا من البقاء على دينهم بدفع الجزية والأتاوات الباهظة غير المحدودة ، كذلك فإن التميز فى العمل الحر يرجع لإستباعدهم من الوظائف العامة وعدم رغبة كثير من المسلمين فى تشغيلهم “لكى لا يفتحوا بيت كافر بدلأ من بيت مسلم” !! كذلك يكشف الرقم – بغض النظر عن صحته – عن ترصد حكومى عنصرى بالأقباط ومراقبتها اللصيقة لكل أنشطتهم الحياتية (بينما يرفضون الإعلان عن عدد الاقباط فى مصر).

أن قرار جعل أجازة عيد الميلاد فى السابع من يناير اجازة قومية دليل على التسامح ، لا ينكر إلا جاحد أن هذا القرار كان مطلب قبطى قديم وانه حق اسعدنا كثيراً الحصول عليه، لكنه أيضاً مثال صارخ على دعاية أنصاف الحقائق ، فلم يصبح عيد القيامة أجازة قومية هو الآخر لقيام السلطة بقياس المناسبات الدينية المسيحية على مقياس العقيدة الإسلامية التى تعترف بميلاد المسيح لكنها لا تعترف بصلبه وقيامته !!! وهذا عبث وعنصرية ان تمنح للناس حقوقهم بناء على مدى موافقتها لعقيدتك !!! أى حقوق تلك وأى تسامح هذا !!! كما يعكس هذا التفكير الإحساس بالمنة والتفضل عند منح الاقباط حقوقهم.

عزيزى دكتور مصطفى الفقى ، صدقنى أنا شخصياً أحترمك كإنسان متسامح وكدبوماسى قدير، ذكى ، محترم  وعف اللسان ، وأقدر تاريخك الأكاديمى كباحث جاد مهتم بالشأن القبطى منذ عدة عقود ، لذا فنصيحتى لسيادتك ألا تدع النظام يستغلك ويورطك مع الأقباط مثلما ورطك مع أهل دمنهور …

لقد كنت أتمنى ان تكون بكل علمك ونزاهتك سفيراً للأقباط عند الحكومة وليس العكس.

دبحنى وإشتكى !!

وسط هذا السيل من الحرق والعقاب الجماعى والتهجير للاقباط ومنعهم من الصلاة فى قرى الدلتا والصعيد خلال الأيام الماضية ، إستفزنى للغاية حديث الدكتور محمد عمارة الأخير فى برنامج العاشرة مساءاً بكل ما حفل به من عنصرية ومغالطات وكراهية ، فالرجل يحل دماء الأقباط وأعراضهم واموالهم ، أى أنه يحرض على قتل الأقباط وإختطاف وإغتصاب بناتهم ونهب وتخريب ممتلكاتهم ومصادر رزقهم معتبراً ذلك من ثوابت الفقه الإسلامى !!! ومع ذلك عندما يقوم فريق من المسلمين بتنفيذ تعاليمه (هو وأمثاله) من قتل وحرق وإغتصاب وسلب وتخريب يخرج علينا ليعلن ان الأسلام دين سماحة وان الكنيسة هى سبب ما يحدث للأقباط بتبنيها فى عصر البابا شنودة لمشروع مناهض للمسلمين !!! وانها تصفهم بالمحتلين !!!

حقيقى دبحنى وأشتكى وسبقنى وبكى ..

والسؤال الاول هل يعقل ان تقوم اقلية مضطهدة تاريخياً بمناهضة الأغلبية التى تضطهدها !! وأين مظاهر مشروع المناهضة هذا ؟؟

أين هى المساجد التى أحرقها أو هدمها الأقباط ؟؟ أين المسلمين الذين قتلهم الأقباط ؟؟ أين المراهقات المسلمات اللواتى يختطفهم الأقباط ؟؟ ما هى المؤسسات القومية التى يسيطر عليها الاقباط ويمنعون دخول المسلمين لها ؟؟ ….إلخ.

والسؤال الأهم هل مطلوب من الكنيسة ان تنكر تاريخها المرير وتنكر معاناة شهدائنا واجدادنا الذين تحملوا كل مهانة ومرارة لكى نظل نحن أقباط ؟ وهل الكنيسة هى من تقول أن العرب محتلين أم يقولها كل كتب المؤرخين الأقباط عبر التاريخ  ، بل حتى الكتاب المسلمين الذين أرخوا للدول الاسلامية المختلفة المتعاقبة فى مصر من عرب وامويين وعباسيين ومماليك شهدوا بذلك ،على الرغم من روايتهم للاحداث من وجهة نظر المحتل الذى يحتقر الأقباط أصحاب البلاد ويتفاخر بالفظائع التى انزلها بهم بإعتبارها (جهاد فى سبيل الله) …

الحقيقة أن الأقباط كانوا دوماً منذ إحتلال بلادهم من العرب ضحية للعنف والإرهاب والمذابح الجماعية وهدم وحرق الكنائس والتهجير الجماعى وإغتصاب النساء (حتى الراهبات فى أديرتهن) وهذه كلها لم تكن مرتبطة يوماً بسلوك الأقباط او قادتهم أو رجال دينهم فى أى عصر من العصور ، بل كانت مدفوعة دوماً بالجشع الإحتلالى  والفقه الإستحلالى الذى مازال الدكتور عمارة يدعو له .

وخلال هذا الإحتلال الدموى الطويل تحول الأقباط من أصحاب البلاد إلى أقلية من الدرجة العاشرة أشبه بطبقة المنبوذين فى الهند. وتم تجريم اللغة القبطية وفرض اللغة العربية.

كما تم تدمير التراث الثقافى والمعرفى المصرى منذ العصور الفرعونية حتى القرن السادس الميلادى ، وإنحدرت مصر من دولة متقدمة هندسياً وعلمياً وإنسانياً إلى ما نعيشه اليوم ، وهو أكثر مرارة من أى وصف ..

لكن مع قدوم القائد العظيم محمد على -الألبانى الاصل- أشرق فجر جديد بعد قرون الظلام فتأسست دولة مصرmohammadalipasha4pn وبدأ محمد على  فى بنائها كدولة عصرية مستقلة بل كدولة كبرى ، ولم يتعامل معها كمجرد مستعمرة ، وأقر ما يمكننا تسميته بمبادىء المواطنة المصرية فبدأ نوع من العدالة يسرى فى الجسد المصرى نحو الاقباط اصحاب البلاد الاصلاء ، وتم ذلك بشكل تدريجى عبر سنوات حكم عائلة محمد على فأصبح الاقباط مواطنين بعد ان كانوا مُحتلين وحصلوا على بعض حقوقهم المدنية والدينية ، فتم رفع الجزية عنهم ودخلوا الجيش لأول مرة منذ إحتلال العرب لمصر بعدما أصبحوا مواطنين وليسوا شعب تحت الإحتلال يخشى المحتل أن يدخله الجيش ويدربه على حمل السلاح فيقوم بتحرير بلده .

لكن بنهاية حكم أسرة محمد على بالإنقلاب العسكرى فى يوليو 1952 وإنهيار المشروع الحضاري الذى صنع مصر الحديثة التى نعرفها ، بدأت هذه العدالة فى التأكل على يد رجال الإنقلاب الذين كان معظمهم من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وكان اهم معالم هذا التأكل تأميم الممتلكات القبطية من مصانع وأراضى زراعية وشركات ومتاجر، ففقد الأقباط بذلك واحد من أهم أدواتهم التى مكنتهم من البقاء على دينهم طيلة قرون وهو المال .

كما تم حل الأحزاب وإنهاء الحياة السياسية الديمقراطية ففقد الاقباط بذلك تمثيلهم السياسى ومشاركتهم فى الحكم ، وتم البدء فى اسلمة التعليم ، وحقيقة الامر أن قرارات التأميم وحل الأحزاب لم تكن موجهة للأقباط بشكل رئيسى لكنها اضعفتهم وجهزتهم لسكاكين المشروع الإسلامى.

ولم يبطئ هذا التدمير للهوية المصرية فى عهد جمال عبد الناصر إلا تصادمه مع الإخوان عندما أرادوا إغتياله والإنفراد بالسلطة بعدما احسوا ان نصيبهم من كعكتها لم يعد يكفيهم، فقمعهم ووضعهم فى المعتقلات ، وعقب رحيله فى بداية السبعينات إختارت المجموعة الناصرية الحاكمة أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة وهو الضابط انور السادات ليصبح خليفة لعبد الناصر ، وقد كان مؤهله الوحيد لهذا الإختيار ما عرف عنه من إنعدام للشخصية والرأى (كان داهية واجاد إخفاء حقيقته كإنقلابى عريق) فقد أرادوا رئيساً إسمياً عاجزاً عن فعل أى شئ بمفرده ، لتبقى السلطة الحقيقية فى أيديهم ، كما كان موقف السادات فى الشارع ضعيفاً للغاية فرغم كونه نائب للرئيس إلا انه كان بلا اى شعبية او بصمة مع الناس على عكس آخرين من اعضاء المجلس مثل عبد الحكيم عامر ، جمال سالم وأخيه صلاح سالم ، زكريا محيي الدين وعبد اللطيف البغدادى، فقد كان دائما فى موضع المقارنة مع سلفه الزعيم الكاريزمى الهائل الذى أحدث رحيله شعور شعبى عميق باليتم برغم كونه رحل مهزوماً.

يضاف لذلك قوة التيارت الإشتراكية والناصرية فى الشارع والجامعات والتى كانت كالحائط الصلب فى مواجهة كل مشاريعه وافكاره، لذلك لم يجد السادات حلاً  لإقرار نفوذه كرئيس إلا الإنقلاب على رجال الإنقلاب !! والإطاحة بهم – عسكريين ومدنيين- فيما أسماه “ثورة التصحيح” فى مايو 1971 ، كذلك  عاد للتحالف مع الإخوان المسلمين (جماعته القديمة) كحليف فى الشارع ،  فأخرجهم من السجون وأمدهم بالمال والسلاح والدعم المطلق ليقوموا بضرب اليسار والشيوعيين وساعدهم على إحتكار المعارضة ، مع الحفاظ على الكرسى الرئاسى كخط احمر أمامهم ، وفى مقابل ذلك أن تركهم يتوغلون فى الشارع وينفذوا اجندتهم الأصلية فى إضطهاد الأقباط ومضايقتهم والتضييق عليهم بكل وسيلة ومنعهم من بناء كنائسهم واسلمتهم ومهاجمة عقيدتهم ، فى ظل تغاضى تام عما يفعلون وتقاعس كامل عن الدفاع عن الأقلية القبطية المغلوب على أمرها.

وبدأ عصر كامل من أسلمة كل مظاهر الحياة العامة وسميت هذه الفترة “الصحوة الإسلامية”.U1683593

وبحثاً عن شرعية جديدة بخلاف الشرعية الثورية والكاريزمية التى تمتع بها عبد الناصر ، إختار السادات أن يصطك لنفسه شرعية دينية فأسمى نفسه الرئيس المؤمن !!! وأصر على كتابة اسمه “محمد أنور السادات ” بعد ان كان معروفاً خلال الثورة بإسم “أنور السادات” فقط ، وعدل الدستور لتصبح مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع بعد أن كانت مجرد مصدر، وسعى لإقرار  قانون حد  الردة !!وبدأ سياسة التجفيف من المنبع فى إغلاق الكليات العسكرية و النيابات وسلك التدريس الجامعى والسلك الدبلوماسى فى وجه الاقباط . وانهى حياته بقرار عزل البابا شنودة وتحديد اقامته ؟؟

والعجيب انه قتل بيد حلفائه الإسلاميين الذين أطلق ايديهم لقتل الأقباط وتحويل حياتهم لجحيم !!

إنه الدرس المتكرر، فهذه هى  عاقبة من يضع يديه فى يد الإسلاميين.

وقد أرادت مشيئة الله أن يكون قداسة البابا شنودة الثالث هو البطريرك المعاصر لكل هذا الغليان السياسى الذى دفع ثمنه الأقباط وهم بلا حول ولا قوة ، والبابا شنودة إمتداد للمشروع الإصلاحى الكنسى الذى بدأ مع البابا كيرلس الرابع (الملقب بأبو الإصلاح)، وهو مشروع دينى وليس سياسى ، لكنه لم يستطيع أن يقف صمتاً فى مواجهة الحرق المتكرر للكنائس ، وقتل الكهنة واالشعب ومنع بناء الكنائس ، وضرب الطلبة الاقباط فى المدن الجامعية فى ليالى الامتحانات على يد الاخوان ، وإقرار قوانين الردة التى تسعى لإعدام ضحايا الاسلمة إذا حاولوا العودة للمسيحية كذلك تعاقب بالإعدام من يحاول مساعدتهم على العودة ، مع ما مثله ذلك القانون من تغطية قانونية للإخوان وباقى الجماعات الإسلامية والجمعيات الشرعية التى إعتادت إصطياد المراهقات والفقراء والعاطلين من الاقباط لأسلمتهم.

وتكلم البابا صارخاً بهموم شعبه ، وهذا هو سبب كراهية الإسلاميين العارمة له ، فأكثر ما يزعج الجانى صراخ الضحية ، لأنه يفضحه.

وفى كثير من الأحيان لا يجد البابا كلامه مجديأ ، فيضطر للإنسحاب والصمت ، أو الإعتزال فى الدير وهو واحد من أرقى وسائل الإحتجاج السلمى الهادئ فى مواجهة تجبر وصخب الظالمين.

وصدقت يا أبى عندما قلت يومأ :

Pope-Shenuoda-III

إن الله يدرك صمتنا ومعانيه ، ويعلم عمق ما نعانيه …

الطب النبوى ..

منذ فترة يلح على هذا الموضوع واحاول عدم الخوض فيه لتماسه مع المعتقدات الدينية لاخوتى المسلمين بينما لا أحب الخوض فى مثل هذه الأمور ..

لكنى بأمانة لم اعد احتمل مشاهدة هذا العدد من اخوتى المسلمين الذين يسقطون بين انياب تجار  الطب الذين إستغلوا آلام المرضى وتأخر علاجهم الناتج عن إنهيار مستوى الطب فى بلادنا. فأوهموهم بانهم يمتلكون إراحتهم من آلامهم بما أسموه “الطب النبوى”.

الحجامة

الحجامة !!

فمنذ عدة سنوات وفى إطار حركة اسلمة المجتمع المصرى على يد الاخوان المسلمين ومن انشقوا عنهم من حركات أصولية وسلفية ، ظهرت فكرة الطب النبوى التى قادها الاطباء الإسلامين الذين إستولو على نقابة الاطباء ،وهى ببساطة تقوم على جمع النصائح الصحية والوصايا العلاجية التى كان يسديها نبى الإسلام لتابعيه وصحابته ، ومحاولة الخروج منها بمنهج طبى متكامل لعلاج الأمراض القديمة والمستحدثة فى كل زمان ومكان على وجه الكرة الأرضية !! بما فيها الامراض المتوطنة فى بيئات أخرى لا توجد فى البيئة العربية كالبلهارسيا وقضمة الصقيع وأنيميا البحر المتوسط ، فضلا عن الأمراض حديثة الاكتشاف التى لم تكن معروفة اصلاً  فى هذا الزمان وبالتالى لم يوصف لها علاج !!

يفعلون ذلك من منطلق عقيدة دينية بأن النبى لا يخطئ فى امر من الامور، على الرغم من انه هو نفسه قال لصحابته بعد أن أخطاء فى تقدير امر من الامور فى نفس زمانه ونفس بيئته، بأن الناس أعلم بأمور دنياهم:

فقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة على قوم يؤبرون النخل – أي يلقحونه – فقال: ” لو لم يفعلوا لصلح له ” فامتنع القوم عن تلقيح النخل في ذلك العام ظناً منهم أن ذلك من أمر الوحي، فلم ينتج النخل إلا شيصاً (أي بلحاً غير ملقح، وهو مر لا يؤكل) فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصورة سأل عما حدث له فقالوا: ” قلت كذا وكذا.. ” قال: ” أنتم أعلم بأمور دنياكم “

وعلى حد علمى انه لم يكن طبيباً بل تاجراً فبالتالى تكون وصاياه الطبية جزء من خبراته الشخصية والحياتية كما يفعل أى شخص عندما يوصى أقاربائه او أحبائه بتعاطى دواء معين أو التوجه إلى مستشفى أو معمل تحاليل بعينه لثقته فيه.

فهذه الوصايا هى جزء من كل هو الطب الشعبى العربى الذى كان يتداوى به جميع سكان صحراء العرب من مسلمين ومسيحيين ويهود وصابئة وأحناف ولا دينيين وملحدين بل حتى  قبل ظهور الإسلام بمئات وربما آلاف السنين. فهى ليست اشياء أبتكرها او وصله وحى بها. بل كانت ببساطة هى وسائل العلاج الافضل فى بيئته وعصره ، لذلك كان يوصى بها تابعيه وأصحابه وهذه الوسائل من البديهى ان يكون معظمها فى ذمة التاريخ الطبى وليس الطب ، بإعتبارها جزء من طب قبلى عمره آلاف السنين.

ففى زمانه كانت هذه الطرق العلاجية البسيطة كالحجامة والتداوى بالأعشاب والعسل وغيرها هى افضل الوسائل العلاجية المتاحة لأهل الصحراء سواء كانت مفيدة ام لا . بل حتى فى نفس هذا الزمان كانت توجد بلاد وحضارات أخرى لديها اساليب علاجية أخرى انجح وأكثر إفادة وتطوراً (كالمصريين ، السوريين ، الصينيين ، الرومان ، اليونان والفرس )  وعندما إحتل العرب هذه البلاد إتخذوا من اطبائها معالجين لهم لما لمسوه من تميز علومهم الطبية المتقدمة بالنسبة لما كانوا يعرفونه فى البادية ، فكنت تجد دائماً ان أطباء الخلافاء والولاة المسلمين كانوا من السريان والأقباط والأروام لشدة نبوغهم وأمانتهم المهنية والأخلاقية ، وقد إئتمنوهم على صحتهم وصحة نسائهم وأولادهم رغم الإختلاف الدينى وطبيعة العلاقة المتوترة بين المحتل وأصحاب البلاد.

واعتقد أن من يدافع عن ما يسمى بالطب النبوى يجب عليه اولا الأجابة على الأسئلة القليلة التالية :

– هل لو كان النبى قد ظهر فى زمان يوجد به أشعة مقطعية ومضادت حيوية وأمصال وادوية كيميائية وجراحات قلب مفتوح وجراحات مجهرية وأجهزة تعقيم ومناظير طبية … إلخ ، اما كان قد اوصى بها  تابعيه ؟؟

medical20device20surgery

إذا كان ما يصفه مشايخ ودكاترة الأسلمة بالطب النبوى قد حوى بداخله العلاج لكل الأمراض فلماذ إذن لا يكتفون به عندما يمرضون كما ينصحون البسطاء ؟؟ ولماذا يهرعون إلى بلاد الغرب “الكافر” ليستفيدوا من علمه الطبى وليسلموا اجسادهم لأنامل ( الكفرة ) لتشق صدورهم وبطونهم فى غرف الجراحة لتداويهم وتوصلهم للشفاء !!!!

حرام عليكم اللعب بعواطف وآلام الناس ..

وفى النهاية خالص التحية للطبيب الإنسان د.خالد منتصر ولكل الاطباء الشجعان الامناء الذين يحاولون بكل قواهم التصدى لهؤلاء التجار ، رغم ما يجلبه ذلك عليهم من هجوم وتكفير.