المبادرة المصرية ترصد 53 حادثاً للعنف الطائفي في 17 محافظة خلال عامين : 14 حالة انتقام جماعي و17 مشاجرة تنتهي بعنف طائفي و7 هجمات على الكنائس


دراسة “العنف الطائفي في عامين..ماذا حدث؟ ومن أين نبدأ؟ “

دراسة تحليلية للفترة من يناير 2008 حتى يناير 2010

مقدمة

– 1.  لا تختلف مصر عن كثير من المجتمعات الأخرى التي تتشكل من أفراد وجماعات يعتنقون عقائد دينية مختلفة ويتبعون طوائف دينية متباينة. ولدى الكثير من المجتمعات القدرة على التعايش مع هذا الاختلاف، بل والبناء على هذا التنوع من أجل إثراء الحياة العامة. غير أن مجتمعات أخرى تفقد قدرتها خطأ أو عمدا على إدارة التنوع الكامن فيها بشكل قد يجعلها عاجزة عن ضمان التعايش المشترك بين جماعات المجتمع. ومن أهم أعراض الاحتقان الطائفي المجتمعي ظهور وتواتر أحداث عنف أو التوتر ذات الطابع الطائفي بين أفراد أو مجموعات من أتباع طوائف المجتمع، كتلك التي تشهدها مصر بوتيرة متسارعة في الأعوام الأخيرة. ومع مرور الوقت وغياب التدخل السليم من قبل الدولة ـ وتواطؤ بعض موظفيها أو أجهزتها في بعض الأحيان ـ فإن تلك الأحداث تزداد كثافتها وتتنوع أشكالها ومسبباتها وتتوسع رقعتها الجغرافية. وفي حالة وصول أي مجتمع إلى هذه الحالة فإن عليه أن يعي أنه يواجه خطراً حقيقياً يهدد بتحوله إلى طوائف منعزلة ومستقطبة، حيث تبدأ النزاعات بين مصالح تلك الطوائف، وتبدأ كل طائفة في استخدام ما لديها من قوة ونفوذ سواء لانتزاع ما قد تراه حقاً لها أو لوقف ما قد تراه تهديداً لمصالحها. وقد تنتهي الأمور إلى نزاعات أهلية واسعة النطاق كما حدث ولا يزال يحدث بالفعل في بعض البلاد وبعضها غير بعيد عن مصر جغرافياً.
2. إن العنف الطائفي من أخطر المشكلات التي قد تواجه أي مجتمع، والتي أصابت مجتمعنا المصري بالفعل، لأن هذا النوع من العنف يضرب المجتمع في جذوره وفكرته ويدفع به دفعاً إلى التفتت. ولذا فإن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تؤكد على أن التعامل مع ملف العنف الطائفي يتطلب إرادة سياسية واعية، وإدراكاً لمدى خطورة الملف، وعملاً جاداً ودءوباً لمواجهته، وتكاتفاً وتعاوناً من كافة سلطات الدولة، ومشاركة فعالة من المجتمع المدني لوضع خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد للتعامل مع هذا الملف وصولاً إلى تحجيمه ثم إنهائه.
3. ينكر الكثير من المسئولين التنفيذيين والأمنيين والتشريعيين وجود العنف الطائفي في مصر أصلاً، وهي الإشكالية الأولى التي يجب على الدولة المصرية التخلص منها: الإنكار. كما يهون البعض الآخر من العنف الطائفي، وتلك مشكلة أخرى: الاستخفاف. بينما يرى آخرون أنه مشكلة أمنية تتطلب الاستمرار في إعلان حالة الطوارئ واستخدامها لمعالجته، وهذه مشكلة ثالثة: قصر النظر. وهناك فئة رابعة من المسئولين يعتقدون أن العنف الطائفي مشكلة إحدى سلطات الدولة دون غيرها، وتلك مشكلة تتطلب المساءلة: هي التخلي عن المسئولية.
4. دأبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على رصد أغلب أحداث العنف الطائفي منذ بداية عام 2008، في إطار أوسع لرصد كافة تطورات ملف الحق في حرية الدين والمعتقد في مصر، إدراكاً منها لخطورته البالغة ولاستشعارها الخطر الذي تندفع البلاد إليه ورغبتها في الوصول لفهم أعمق للأوضاع في مصر وما آلت إليه تمهيداً للتصدي لهذا الخطر. وانطلاقاً من مسئولية المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تجاه المجتمع، فإنها تقدم هذه الدراسة لكافة المسئولين في البلاد على تنوعهم، ولكافة أفراد المجتمع المصري، علهم يدركون مدى الخطورة ويبدءون في اتخاذ خطوات إيجابية تجاه التغيير، والقضاء على أعراض المجتمع الطائفي، والوصول لمجتمع صحي ومدني يتشكل من أفراد وجماعات يعتنقون عقائد دينية مختلفة وينتمون إلى طوائف متباينة، ويؤمن فيه الأفراد بالاختلاف عموماً والاختلاف الديني خصوصاً، وتكفل فيه كافة الحقوق والحريات لكافة المواطنين دون تمييز وتحترم فيه عقائد المصريين الدينية على اختلافها.

حول الدراسة ومنهجيتها

5. تقدم هذه الدراسة خلاصة لما قام برنامج حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية برصده وتوثيقه من أحداث العنف أو التوتر ذي الطابع الطائفي في مصر منذ يناير 2008 وحتى يناير 2010. وتعرض الدراسة تحليلاً موجزاً لهذه الأحداث من حيث: طبائعها وأماكنها وأوقات حدوثها ومداها الزمني والأسباب المباشرة التي أدت إلى اندلاعها وكيفية تفاعل أجهزة الدولة معها. وتحاول هذه الدراسة تحليل الأسباب والعوامل التي ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن من شأنها أن تفسر ارتفاع وتيرة العنف الطائفي في مصر بشكل عام؛ وإن كانت الدراسة لا تتوسع بالشكل الكافي في هذه النقطة، حيث أن الغرض الأساسي من الدراسة هو تحليل ما حدث في مصر خلال العامين الماضيين. وتضم الدراسة أيضاً  عدداً من التوصيات إلى أجهزة الدولة المصرية للبدء في العمل عليها لمواجهة ظاهرة العنف الطائفي. كما تضم الدراسة ملحقا برسوم بيانية توضيحية وجداول لأحداث العنف الطائفي التي وقعت منذ عام 2008 موزعة جغرافياً وزمنياً.
6. اعتمدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في كتابة هذه الدراسة على حصيلة عدد من بعثات تقصي الحقائق وكذلك البحث الميداني والمكتبي والرصد الإعلامي الذي قام به برنامج حرية الدين والمعتقد منذ عام 2008. ويعتمد التحليل هنا على المعلومات الموثقة التي أصدرتها المبادرة المصرية في ثمانية تقارير صادرة خلال العامين الماضيين – بمعدل تقرير كل ثلاثة أشهر- تحت عنوان “التقرير ربع السنوي حول حرية الدين والمعتقد في مصر”، بالإضافة إلى تقرير بعثة التحقيق الميداني في أحداث نجع حمادي في يناير 2010 والصادر تحت عنوان “نجع حمادي: شهود على الفتنة”.
7. اعتبرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في عملية الرصد والتوثيق أن العنف الطائفي هو: كل استخدام للعنف (مهما كانت درجته أو نوعيته) من قبل فرد أو مجموعة أفراد ينتمي/ ينتمون إلى طائفة دينية ما ضد فرد أو مجموعة أفراد لا ينتمي/ينتمون إلى تلك الطائفة الدينية أو ضد ممتلكاته/هم أو أماكن عبادته/هم، وذلك إذا كان الانتماء الطائفي أحد دوافع استخدام العنف، أو أحد العوامل التي أدت إلى تفاقمه، أو إذا شكل الاعتداء على الشعائر أو المقدسات الدينية أو دور العبادة أحد مظاهر ذلك العنف.

عامان من العنف الطائفي: في وصف ما جرى

8. شهدت مصر منذ يناير 2008 وحتى يناير 2010 ما لا يقل عن 53 حادث عنفٍ أو توتر ذي طابع طائفي على الأقل ـ أي بمعدل حادثين كل شهر ـ وقعت في 17 محافظة من أصل 29 محافظة مصرية، تتراوح بين حادثة واحدة في بعض المحافظات مثل محافظة الشرقية لتصل إلى 21 حادثة في محافظة المنيا.
9. بطبيعة الحال وبسبب التركيبة السكانية في مصر منذ تحول أغلب سكانها إلى الإسلام مع بقاء عدد غير قليل على المسيحية، فإن أحداث العنف الطائفي دائماً ما تقع بين مسلمين ومسيحيين. إلا أن فترة الرصد شهدت حادث عنف طائفي واحد من مسلمين تجاه بهائيين.

انتشار أحداث العنف جغرافيا

10. وقعت النسبة الأكبر من أحداث العنف الطائفي في منطقة صعيد مصر، وتحديداً في محافظات بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر، بالإضافة إلى الفيوم. وهذه المجموعة هي التي يشكل فيها العنف الطائفي الدرجة الأكثر خطورة، سواء من حيث عدد الحوادث (33 حادثاً)، أو مدى جسامتها، مثل حادث مقتل ستة مسيحيين ومسلم كان برفقتهم وإصابة تسعة مسيحيين آخرين في نجع حمادي بمحافظة قنا في 6 يناير 2010، وأيضا من حيث عدد المتورطين فيها، والذي بلغ أحيانا الألفين، مثل اعتداءات مدينة ديروط بمحافظة أسيوط في 24 أكتوبر 2009.
11. كما تعتبر مجموعة محافظات شمال وجنوب الصعيد الأكثر خطراً بسبب اتساع الرقعة الجغرافية للحادث الواحد وطول الفترة الزمنية له ومقدار الخسائر الناجمة عنه، كأحداث محافظة قنا التي وقعت في مركزي فرشوط وأبو تشت وشملت العديد من القرى التابعة لهما، واستمرت لمدة خمسة أيام من 19 إلى 23 نوفمبر 2009، ووصلت خسائر الاعتداءات فيها ـ وفقاً لتقديرات الضحايا ـ إلى أكثر من أربعة ملايين جنيه. ويشكل الصعيد مشكلة أيضاً من حيث التواتر الزمني لوقوع الأحداث وتنوع وانتشار أماكن حدوثها؛ فالمنيا على سبيل المثال وقع فيها حادث عنف طائفي واحد كل خمسة وثلاثين يوما، وذلك في 17 قرية تتبع سبعة مراكز بالمحافظة من أصل تسعة مراكز تتشكل منهم محافظة المنيا.
12. تأتي في المرتبة الثانية مجموعة محافظات منطقة الدلتا والوجه البحري (القليوبية والمنوفية والدقهلية والشرقية والغربية وكفر الشيخ والبحيرة، بالإضافة إلى محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية)، حيث وقع في هذه المجموعة 20 حادثاً. وكانت أكثر المحافظات عنفاً في تلك المجموعة محافظة الدقهلية، حيث وقعت بها ثلاث حوادث متفرقة خلال شهور فبراير ويونيو وأغسطس من عام 2009، واشتبك فيها المئات وترتب عليها خسائر مادية جسيمة. تليها محافظة المنوفية التي وقعت بها حادثة واحدة جسيمة هي حاثة ذبح مسيحي والشروع في قتل اثنين آخرين على يد مسلم في 17 سبتمبر 2009. والحادث الأكثر خطورة في تلك المجموعة هو تفجيرات الزيتون بالقاهرة في 10 مايو 2009 رغم أنه لم يسفر عن خسائر في الأرواح أو إصابات أو تلفيات في مبنى مطرانية الزيتون، إلا أن استهداف إحدى المطرانيات بعبوات ناسفة محلية الصنع أمر بالغ الخطورة.

13. المجموعة الثالثة تضم المحافظات المتبقية وعددها 12، وهي كافة المحافظات الحدودية بداية من مطروح1 والوادي الجديد غرباً وأسوان جنوباً والبحر الأحمر وشمال وجنوب سيناء شرقاً ومحافظات القنال الثلاثة: السويس والإسماعيلية وبور سعيد، بالإضافة إلى المحافظتين الجديدتين بمنطقة القاهرة الكبرى: حلون و6 أكتوبر، ومحافظة دمياط الساحلية. ولم يرصد باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أي أحداث عنف أو توتر ذي طابع طائفي طوال فترة الرصد في تلك المجموعة.

14. تعتبر القرى والعزب والنجوع أكثر الأماكن التي شهدت أحداث عنف طائفي، تليها المدن الفرعية بالمحافظة، ثم مدن عواصم المحافظات. وكان ليوم الجمعة ـ وتحديداً عقب صلاة الجمعة ـ نسبة غير قليلة من الأحداث، وكذلك أيام الآحاد. والنسبة الأكبر من المتورطين في الأحداث هي للذكور من الشباب والمراهقين، يليهم الرجال وكبار السن، ثم النساء بنسبة قليلة.

1- أثناء إعداد هذه الدراسة وفي 12 مارس 2010 وقعت مصادمات طائفية بمحافظة مطروح للمرة الأولى خلال فترة الرصد.

أنماط العنف الطائفي

15. تنوعت أنماط حوادث العنف أو التوتر ذي الطابع الطائفي واختلفت تداعيات وقوعها، لكن نوعين من الحوادث استحوذا على النسبة الأكبر، وهما في حقيقة الأمر الأخطر: النمط الأول هو حوادث الانتقام الجماعي الذي يستهدف أتباع ديانة ما في منطقة بأكملها. ونظراً للتركيبة السكانية للمجتمع المصري فإن الغالبية العظمى لعمليات الانتقام تكون من مسلمين تجاه مسيحيين. وتقوم فكرة الانتقام الجماعي على سريان قناعة غير عقلانية تعتقد بمسئولية كافة المسيحيين في منطقة ما عن فعل منسوب لشخص واحد أو أكثر من المسيحيين تجاه شخص واحد أو أكثر من المسلمين، وكذلك بمسئولية كافة المسلمين في تلك المنطقة عن الانتقام لهذا الفعل، بغض النظر عن علاقة القائمين بالانتقام أو المنتقًم منهم بالفعل الأصلي حسب القناعة نفسها. ويرتبط الانتقام الجماعي بمفهومين ظهرا بقوة خلال فترة الرصد هما “هيبة المسلمين وكرامتهم” و”شرف المسلمين”. أما عمليات الانتقام من مسيحيين تجاه مسلمين فليست معدومة ولكن عددها ومستوى العنف فيها أقل بدرجة كبيرة، حيث يفضل المسيحيون عند شعورهم بالغضب اللجوء إلى أشكال احتجاج مختلفة مثل التظاهر والاعتصام، ودائماً ما يلجئون إلى الكنيسة لمطالبتها بالتدخل نيابة عنهم.
16. النمط الثاني يرتبط بممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية حال قيام المسيحيين بالصلاة أو محاولة الصلاة في أحد المنازل أو المباني، أو محاولة تحويل مبنى إلى كنيسة أو بناء كنيسة جديدة أو توسعة كنيسة قائمة. ولا يقتصر هذا النمط من العنف الطائفي على مكان بعينه أو محافظة بذاتها، وإنما ينتشر على طول الإقليم المصري بداية من الإسكندرية مروراً بالشرقية وصولا إلى القاهرة ثم نزولا إلى بني سويف والمنيا.
17. الاعتراض على إقامة المسيحيين للصلاة لم يكن من المسلمين فحسب؛ بل إن ممثلي الدولة في أكثر من حالة هم من يرفضون تجمع المسيحيين للصلاة في أحد المنازل، أو يقومون بإلقاء القبض على المصلين والتحقيق معهم. وفي كثير من الحالات كان رفض ممثلي الدولة هو العامل المشجع للمسلمين على إعلان رفضهم لإقامة المسيحيين لصلواتهم، نتيجة للشعور بالوقوف في خندق واحد مع الدولة. كما رصدنا حالات تورط فيها ضباط الشرطة في عمليات التحريض ضد وجود مبنى لصلاة المسيحيين في مكان ما. وفي كل الحالات التي رصدناها كانت أجهزة الأمن تقوم بإغلاق المبنى الذي أقيمت فيه الصلوات “دون تصريح” ووضع حراسة دائمة أمامه أو أمام المنزل الذي أجريت فيه الصلاة الجماعية لضمان عدم تكرار الصلاة.
18. كما تم في حالات عديدة منع مسيحيين من بناء أو استكمال بناء منازل أو عقارات على أراضيهم لتشكك أجهزة الأمن في نية القائمين على البناء تحويله إلى كنيسة أو بيعه للمطرانية. وفي بعض الحالات كان يتم منع المسيحيين من ترميم كنائس قائمة ومرخصة من قبل مسئولين في الدولة، أو حتى طلب إزالة صلبان من عليها.
19. بالإضافة إلى النمطين الغالبين من أنماط العنف الطائفي اللذين تم التعرض لهما أعلاه، فإن هناك نمطين آخرين أقل بروزاً: الأول هو استهداف الكنائس والذي كان ملحوظا خلال فترة الرصد سواء عن طرق تفجير عبوات ناسفة أمامها أو إحراقها عمداً أو تكسير صلبانها في جنح الظلام. أما النمط الثاني فهو القتل العمد على أساس الهوية الدينية. وكان تواجد الأسلحة النارية في أيدي المواطنين والذي وصل إلى درجة حمل الأسلحة الرشاشة سريعة الطلقات عاملاً هاماً ساهم في فداحة نتائج جرائم القتل العمد على أساس الهوية الدينية، على الرغم من أن عدم وجود هذه الأسلحة لم يمنع من وقوع مثل تلك الجرائم باستخدام الأسلحة البيضاء.
20. لا يمكن تجاهل عنصر استهداف المصالح الاقتصادية للمسيحيين في معظم أحداث العنف الطائفي سواء كانت أحداث انتقامية أو متعلقة بدور العبادة. فعلى الرغم من أن القانون المصري يعتبر حرق المنازل والممتلكات جناية تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد، إلا أنه يمكننا القول إن حرق المنازل في خضم أحداث العنف الطائفي أصبح أمراً معتاداً ومكرراً إلى درجة الروتينية، يقوم به المعتدون دون أدنى مبالاة بالقانون وأحكامه الرادعة. كما يتواتر تخريب المنقولات والأراضي الزراعية والمنشآت التجارية والصناعية. ومن فرط تكرار مثل هذه الحوادث وتشابهها، فإن الكثير من الضحايا المسيحيين الذين تحدث إليهم باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أصبحوا يعتقدون أنهم مستهدفون اقتصادياً بغرض إفقارهم أو دفعهم لمغادرة البلاد.
21. يلعب ترويج الشائعات دوراً مؤثراً في وقوع المصادمات الطائفية أو عاملاً مساعداً على تصاعدها وتفاقم نتائجها. ففي أحداث العنف التي تلت إطلاق النار على المسيحيين في نجع حمادي في يناير 2010 كانت شائعة إحراق مسجد من قبل مسيحيين وشائعة مقتل مسلم على يد مسيحي من بين أكثر الشائعات رواجاً. وبسبب تكرار ترويج مثل تلك الشائعات وخطورتها البالغة رأت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقريرها “شهود على الفتنة” أن أي تحقيق شامل في تلك الأحداث يجب أن يشمل استجلاء الحقيقة بشأن مصادر الشائعات والمسئولين عن ترويجها.
22. ويقدم الجزء التالي من هذه الدراسة مزيداً من التفاصيل حول أنماط العنف الطائفي مع نماذج عن كل منها.

الانتقام الجماعي لـ”كرامة” أو “شرف” المسلمين

23. إن أسباب اعتبار الانتقام الجماعي أحد أخطر أنماط العنف الطائفي عديدة ومنها: أنه لا يمكن التنبؤ به؛ فهو قابل للاشتعال فور وقوع أي فعل مهما بلغت درجة ضآلة الفعل. ودائماً ما تكون الأعمال العدائية في الانتقام الطائفي عنيفة للغاية، وترتفع سرعة انتشارها بين القرى المجاورة. وقد شهد هذا النمط تطوراً بالغ الخطورة خلال فترة الرصد على أكثر من مستوى، سواء من حيث اتساع رقعة أحداث الانتقام الجغرافية، أو عدد المتورطين فيه، أو طول المدى الزمني له، أو من حيث تنوع الأفعال التي تستدعي الانتقام الجماعي، وكذلك حجم الخسائر وعدد الضحايا والمصابين.
24. لم تعد عمليات الانتقام تقتصر على نطاق القرية التي وقع فيها الفعل الأصلي، بل وصل الأمر مع نهايات عام 2009 وبداية عام 2010 إلى وقوع عمليات الانتقام في أكثر من قرية، بل أكثر من مركز في المحافظة الواحدة. والفعل الذي يرى بعض المسلمين أنه يستحق الانتقام من المسيحيين ـ بوصفهم مسيحيين ـ قد يكون جريمة مقتل مسلم على يد مسيحي، مروراً باتهام مسيحي باغتصاب أنثى أو إقامة علاقة عاطفية أو جنسية رضائية بين مسيحي ومسلمة، أو اختفاء مسيحية تحولت إلى الإسلام، أو حتى قيام طفل مسيحي بالتشاجر مع طفل مسلم.

25. أخطر ما تخشاه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية هو أن يأتي يوم تتسع فيه أعمال الانتقام لحدث ما ـ بغض النظر عن ضآلته أو جسامته ـ لتشمل محافظة بكاملها أو أكثر. قد يبدو ذلك في نظر البعض أمراً مستبعداً، ولكن مؤشرات اتساع الرقعة الجغرافية لأعمال الانتقام الجماعي آخذة في التزايد المطرد: فمن الانتقام في حدود قرية أصبح العنف ينتقل إلى عدة قرى ثم عدة مراكز؛ ومن الانتقام عقب جريمة قتل أصبح الانتقام “واجباً” عقب شجار طفلين مختلفي الديانة.
26. فرشوط، 18 نوفمبر 2009:  اتهمت أسرة مسلمة من قرية الشقيفي التابعة لمركز أبو تشت بمحافظة قنا شاباً مسيحياً يقطن بقرية الكوم الأحمر التابعة لمركز فرشوط بالمحافظة ذاتها باغتصاب طفلتهم. ورغم قيام الأسرة بالإبلاغ عن الواقعة رسمياً وقيام الشرطة بالقبض على المشتبه فيه في نفس اليوم إلا أن اعتقاداً سرى فجأة بأن “شرف المسلمين” على المحك وبأن على مسلمي تلك المنطقة والمناطق المجاورة لها الانتقام من أي مسيحي ومعاقبته لمجرد انتمائه إلى طائفة المتهم. في يوم الجمعة الموافق 20 نوفمبر طلبت أجهزة الأمن من أفراد 15 أسرة مسيحية من قرية الكوم الأحمر مغادرة القرية فوراً خوفاً على حياتهم. وفي فجر يوم السبت 21 نوفمبر نشبت حرائق في ثلاثة محال مملوكة لمسيحيين في مدينة فرشوط قرابة الساعة الثانية والنصف صباحاً. وتجمع آلاف من المسلمين من قرية الشقيفي والقرى المجاورة لها أمام مركز شرطة مدينة فرشوط، وقاموا بالاعتداء على ممتلكات المسيحيين وتكسير الأبواب المغلقة للمحال التجارية وحرقها بعد نهب محتويتها. وأخذت الرقعة الجغرافية للأعمال الانتقامية في الاتساع: فقد شهدت عدة قرى أخرى تتبع مركز فرشوط اعتداءات على ممتلكات المسيحيين، تضمنت حرق واجهة صيدلية بقرية القارة في فجر الأحد 22 نوفمبر، واشتباكات بين مسلمين ومسيحيين في قرية العراكي في مساء اليوم نفسه. وشهدت قرية القبيبي إشعال النار في حوش لمواطن مسيحي ولم يسفر الحادث عن خسائر. وانتقلت حمى الاعتداءات إلى قرية أبو شوشة التابعة لمركز أبو تشت المجاور، والتي تبعد نحو 30 كيلومتر عن قرية الشقيفي. فقد نشب حريق في صيدلية وثلاث محال تجارية مملوكة للمسيحيين هناك في فجر يوم 23 نوفمبر، وفقاً لإفادة القس بولس نظير، كاهن كنيسة أبو شوشة. وفى ظهر اليوم نفسه قامت مجموعات من المسلمين بحرق منازل ومحلات وممتلكات مملوكة لمسيحيين بقرية الكوم الأحمر.
27. حوادث أخرى: لم تكن محافظة قنا هي المحافظة الوحيدة التي شهدت عمليات انتقام جماعي، بل وقعت أحداث مشابهة في محافظة الدقهلية في 29 يونيو 2009 بكفر البربري إثر مقتل مسلم على يد مسيحي بسبب خلاف على سعر زجاجة مياه غازية. وفي مدينة ديروط بمحافظة أسيوط في 24 أكتوبر 2009 حدث الشيء نفسه بعد انتشار مقطع فيديو لعلاقة جنسية رضائية بين مسيحي ومسلمة. ومحافظة الفيوم شهدت أيضاً عمليات انتقام جماعي: ففي قرية النزلة بمركز يوسف الصديق في 20 يونيو 2008 عقب اختفاء شابة كانت قد اعتنقت الإسلام وتزوجت من مسلم، ظن مسلمو القرية أنها اختطفت من قبل عائلتها المسيحية فقام المئات من مسلمي القرية بالانتقام من جيرانهم المسيحيين، وأسفرت الاعتداءات عن تحطيم عدد من محلات أقباط القرية وسرقة وإتلاف محتوياتها، واقتحام عدد من المنازل ونهبها، وإشعال النار في بعض المنازل والمحلات، وتحطيم سيارة، فضلاً عن تحطيم واجهة كنيسة بالقرية رجماً بالحجارة وإحداث تلفيات بسيارة كاهن الكنيسة.
28. محافظة المنيا كان لها نصيب كبير من حوادث الانتقام الجماعي وإن كانت أقل عنفاً: حوادث تتحول فيها مشاجرة بين مسلم ومسيحي قد تكون لأبسط الأسباب ـ مثل خلاف حول من له أسبقية المرور في الشارع ـ إلى مواجهات طائفية تتردد فيها الهتافات الدينية ويتبادل فيها المسلمون والمسيحيون التراشق بالحجارة، اعتقاداً بأن الجميع مسئول عن الدفاع عن أتباع طائفته.
29. وكان حادث نجع حماي بمحافظة قنا وما تلاه من اعتداءات طائفية عنيفة في المحافظة من أسوأ أحداث الانتقام الجماعي والعشوائي الذي وقع ضد المسيحيين خلال فترة الرصد. ففي 6 يناير 2010 لقي ستة مسيحيين ومسلم كان برفقتهم حتفهم وأصيب تسعة مسيحيين على يد مسلمين لمجرد كون القتلى من أتباع طائفة اتهم أحد أفرادها باغتصاب إحدى أتباع طائفة الجناة. ورغم تشكيك أغلب أقباط المدينة في صدق الرواية الرسمية التي تؤكد هذا الدافع، فإن الحدث لا يخلو من دلالة خطيرة.
30. تلعب الشائعات ـ كما ورد أعلاه ـ دوراً هاماً في تأجيج مشاعر أبناء الطائفتين تجاه بعضهم البعض في كثير من الحالات: ففي صفط اللبن بحي بولاق الدكرور التابع لمحافظة الجيزة وعقب شجار بين مسيحيين ومسلمين بسبب التحرش بفتاة مسيحية يوم 13 مايو 2009 ترددت شائعات في المنطقة بأن مسيحييها قاموا بإحراق مسجد بالمنطقة. وأدت الشائعة إلى تجمع عدد أكبر من المسلمين وتبادل الطرفين لإطلاق النار. وكذلك في أحداث ديروط بمحافظة أسيوط التي وقعت يوم 24 أكتوبر 2009 راجت شائعات مفادها أن هناك تنظيماً من المسيحيين يسعى لتصوير الفتيات المسلمات في أوضاع جنسية بغرض الإساءة للمسلمين. وتم توزيع منشور ينادي بـ”الانتقام من المسيحيين على فعلتهم ونصرة الإسلام“. وكذلك الحال في أحداث نجع حمادي في يناير 2010؛ فقد شهدت عدداً من الشائعات التي ترددت يوم الجمعة 8 يناير وساهمت بشكل بارز في تأجيج أعمال العنف الطائفي. ففي يوم الجمعة تم تشييع جنازة الشرطي المسلم الذي قضى في اعتداءات 6 يناير، ولكن إشاعة انتشرت بسرعة في أرجاء المنطقة تفيد بأنها جنازة لمسلم قتله الأقباط انتقاماً. كما كان من أبرز الشائعات غير الصحيحة أن الأقباط قاموا بإحراق مسجد، وهي شائعة انطلقت منذ يوم عيد الميلاد وانتشرت بكثافة وسط الأهالي. وترددت شائعة أخرى بشأن مقتل اثنين من المسلمين برصاص مسلحين مسيحيين ثبت عدم صحتها.
31. العشوائية والتحرك غير المنظم قد يكون الانطباع الأولي والعام عن أحداث العنف الطائفي، ولكن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية رصدت في بعض أحداث العنف الطائفي عمليات تأخذ طابع منظماً ومحدد الأهداف، مثلما حدث في قرية النزلة التابعة لمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم جنوبي القاهرة في 20 يونيو 2008. فالشهادات التي حصل عليها باحثو المبادرة المصرية أفادت بأن المعتدين كانوا يتحركون في مجموعات وبشكل منظم، ويقومون بالدخول إلى منازل المسيحيين ويتعمدون إبعاد أصحاب المنازل وعدم الاعتداء عليهم بدنياً مع الاكتفاء باستهداف ممتلكاتهم وبث الرعب فيهم فقط بتكسير المنقولات ذات القيمة والصور والأيقونات الدينية المسيحية، ثم تخرج المجموعة في نفس التوقيت بعد النداء عليهم بالتوقف، ثم تنتقل المجموعة  إلى المنزل المجاور، وهكذا.
32. علاقات الصداقة والعلاقات العاطفية بين شباب وفتيات من المسلمين والمسيحيين ـ وعلى الرغم من أنها يمكن اعتبارها مؤشرات على متانة العلاقة بين أتباع الديانتين ـ تواجه بعنف ملحوظ لأن الكثيرين لم يعودوا يستطيعون تفهم أو قبول مثل تلك العلاقات، خاصة من طرف الديانة التي تنتمي إليها النساء. ومع اختلاط العصبية الدينية بالعصبية الذكورية والعصبية القبلية يبدأ الانتقام من كافة أتباع ديانة الرجل، وتقع مصادمات طائفية لا دخل لأطرافها في حقيقة الأمر بوجود تلك العلاقة سوى أنهم من أتباع ديانة ما. وقد شهدت فترة الرصد العديد من المصادمات الطائفية بسبب علاقة صداقة أو علاقة عاطفية بين مسلم ومسيحية أو العكس.

الصلاة الممنوعة

33. شهدت فترة الرصد العديد من حوادث العنف الطائفي التي تتعلق بقيام المسيحيين بالصلاة في أحد المباني أو إقامة الصلوات الجماعية داخل أحد المنازل. في الإسكندرية تجمع مئات من المسلمين المقيمين بقرية العراق بحي العامرية خارج منزل أحد الأقباط في 25 ديسمبر 2008 للاعتراض على نيته تحويل مبنى مقام على أرض يمتلكها إلى كنيسة لأقباط القرية البالغ عددهم قرابة 80 أسرة، والذين أرادوا استخدامه كمكان لإقامة الصلوات والدروس الدينية نظراً لأن أقرب كنيسة للقرية تقع على بعد خمسين كيلومتراً بمنطقة كنج مريوط. وفي كفر فرج جرجس التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية تجمع المئات من المسلمين في مساء يوم 10 ديسمبر 2008، احتجاجاً على قيام أقباط القرية الذين يقارب عددهم 1500 فرد بإقامة الصلاة للمرة الأولى داخل مبنى جديد للخدمات. ولم تسلم القاهرة من هذا الشكل من أشكال رفض وجود مكان لصلاة للمسيحيين. ففي حي عين شمس تجمهر مئات من مسلمي المنطقة يوم 23 نوفمبر 2008 خارج مبنى خدمي تابع للكنيسة التي كانت تنوي إقامة الصلاة للمرة الأولى داخل المبنى في نفس اليوم، وبدأ المتجمهرون في ترديد هتافات معادية للمسيحيين، ثم قام بعضهم بقذف المبنى بالحجارة مما أدى إلى تحطيم نوافذه.
34. ووقعت حوادث مشابهة في محافظة بني سويف بشكل أكثر كثافة. ففي أقل من 24 يوماً وقعت ثلاث حوادث عنف طائفي متعلقة ببناء مسيحيين لمباني للصلاة فيها. ففي عزبة بشرى الشرقية التابعة لمركز الفشن وفي يوم 21 يونيو 2009 حاول مسيحيو العزبة ـ التي لا يوجد بها مكان لإقامة الصلوات ـ الصلاة في مبنى تملكه مطرانية ببا والفشن وسمسطا، وجاءتهم أوامر من جهاز مباحث أمن الدولة بعدم الصلاة في المبنى إلا أنهم أصروا على حقهم في الصلاة، فوقعت اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين. وتشير العديد من الشهادات إلى تورط عدد من رجال الأمن في إثارة المسلمين للمطالبة بغلق المبنى. وبعد أقل من أسبوعين تكرر الأمر في عزبة مجاورة وهي عزبة جرجس في يوم 3 يوليو 2009 عند قيام المسيحيين بإقامة الصلوات في أحد مباني العزبة، وأيضاً وقعت الاعتداءات هناك بعد أوامر من جهاز أمن الدولة بغلق المبنى؛ بل إن أحد رجال الشرطة كان متورطاً في أحداث الاعتداء على مسيحي العزبة. وفي نفس المحافظة ولكن في مركز أخر وهو مركز ببا وعلى وجه التحديد في قرية الفقاعي قام نحو ألفين من مسلمي القرية بعد صلاة الجمعة مباشرة بمهاجمة مبنى تابع لجمعية المحبة المسيحية وكذلك منازل يقطنها مسيحيون يوم 17 يوليو 2009، وذلك بسبب انتشار شائعات بين مسلمي القرية تفيد بأن المسيحيين يعتزمون تحويل مبنى الجمعية إلى كنيسة.
35. محافظة المنيا بوصفها المحافظة ذات النصيب الأكبر من أحداث العنف الطائفي عانت من نفس الوضع. ففي 24 يوليو 2009 بقرية الحويصلة التابعة لمركز المنيا قام نحو ألفين من مسلمي القرية بمهاجمة مبنى تابع للمجمع المعمداني المستقل وإشعال النيران فيه، وإحراق ثلاثة منازل يملكها مسيحيون، فضلاً عن بعض حظائر الماشية، مرددين هتافات ضد المسيحيين؛ وذلك بعد اكتشاف المسلمين لنية المجمع تحويل المبنى إلى كنيسة بمجرد تركيب صليبين من الجبس على واجهة المبنى. وفي قرية نزلة البدرمان التابعة لمركز دير مواس بمحافظة المنيا وفي مساء يوم 27 أكتوبر 2009 وقعت مصادمات طائفية بين مسلمين ومسيحيين بسبب احتجاج المسلمين على القيام بتجديد منارة كنيسة مار جرجس بالقرية، وتم تحطيم زجاج الكنيسة ووقعت تلفيات ببعض منازل وممتلكات المسيحيين بالقرية، من بينها خمس سيارات، ومستودع أسمنت، ومنشر خشب، فضلاً عن سرقة محتويات سيارة ملاكي.
36. وكان من أغرب ما شهدته فترة الرصد قيام النيابة العامة بالتحقيق مع مواطن لأنه استضاف صلاة جماعية في منزله “دون ترخيص”، وهو اتهام لم تجد له المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أي أساس قانوني. ففي 2 ابريل 2009 تم القبض على أحد المواطنين لأنه أقام “صلاة تبريك” في منزله حضرها عدد من أقاربه، وتم عرضه على نيابة مركز سمالوط بمحافظة المنيا للتحقيق معه بشأن “إقامة شعائر دينية دون ترخيص في منزله.”
37. لم تقف الأمور عند هذا الحد بل شهدت فترة الرصد العديد من التدخلات الأمنية لمنع مسيحيين من بناء منازل أو عقارات، وإجبارهم على التوقيع على إقرار بأن هذا المبنى لن يستخدم في الصلاة وتعهد بعدم بيعه إلى الكنيسة. في قرية الريدة التابعة لمركز المنيا منع تاجر أخشاب مسيحي من استكمال بناء مخزن أخشاب في 28 يوليو 2009 لتشكك ضباط مباحث أمن الدولة في أنه يقوم ببناء كنيسة. وفي 15 أغسطس 2009 أرسل كاهن عزبة داود التابعة لمركز سمالوط بمحافظة المنيا شكاوى إلى رئاسة الجمهورية وعدد من منظمات حقوق الإنسان يشكو فيه جهاز مباحث أمن الدولة ومحافظ المنيا ويطالب بالسماح للمسيحيين في القرية الذين يبلغ عددهم 800 شخص بتحويل مبنى إلي دار مناسبات لإجراء مراسم الزواج وللصلاة على موتاهم بها بدلاً من إجرائها في الشارع.
38. وفي 31 أغسطس 2009 منع الأمن مواطنا من بناء سور حول قطعة أرض يمتلكها بقرية بني هلال التابعة لمركز القوصية بمحافظة أسيوط لتشكك جهاز مباحث أمن الدولة في أنه يقوم ببناء كنيسة. وفي 16 سبتمبر 2009 تم هدم منزل تحت الإنشاء بقرية القيات التابعة مدينة العدوة بمحافظة المنيا وذلك لتشكك ضباط مركز شرطة العدوة في اعتزام صاحب المنزل تحويله إلى كنيسة رغم توقيعه على إقرار يفيد أنه لا يقوم ببناء كنيسة وأنه لن يبيع المبنى إلى المطرانية.
39. في 1 ابريل 2009 منعت الأجهزة الأمنية أقباط عزبة واصف غالي باشا التابعة لمركز العياط بمحافظة أكتوبر من إقامة الصلاة على جثمان إحدى السيدات المسيحيات داخل مبنى مملوك لمطرانية الجيزة خوفاً من تحويله إلى كنيسة. وفي إبريل 2009 قامت أجهزة الأمن التابعة لمركز شرطة سمالوط بمحافظة المنيا بإغلاق دار عبادة تتبع الطائفة الإنجيلية بقرية سبعة كان مسيحيو القرية يصلون بها منذ ديسمبر 2008.
40. ورغم أن قرار رئيس الجمهورية رقم 391 لسنة 2005 سمح بإجراء أعمال الترميم للكنائس بمجرد إخطار السلطات دون الحاجة إلى تصريح مسبق، إلا أن الأجهزة الأمنية قامت بوقف أعمال ترميم لكنائس حصلت بالفعل على تراخيص بالترميم. ففي 13 يوليو 2008 أمر جهاز مباحث أمن الدولة بوقف أعمال ترميم كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بقرية (هو) التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا. وفي 17 أغسطس 2008 تعرضت ثلاث نساء للضرب من قبل مندوب الشرطة بعد أن حاولن إدخال كمية من الرمال إلى داخل كنيسة قرية دشاشا التابعة لمركز سمسطا بمحافظة بني سويف لإصلاح أرضيتها المتصدعة بسبب تجمع المياه أسفلها. وخلال شهر يناير من عام 2008 أوقفت أجهزة الأمن بمحافظة بني سويف عمليات ترميم كنيسة مار مينا بقرية (وش الباب) التابعة لمركز أهناسيا. واستدعى تركيب صليب خشبي في مدخل كنيسة العذراء بأسيوط تدخل مساعد وزير الداخلية بالمحافظة والمطالبة بإزالته لأنه “يثير استياء المسلمين.” وفي النهاية لم تتم إزالة الصليب ولكن الكنيسة وافقت على عدم إضاءته بالأنوار الكهربائية.

استهداف الكنائس والأديرة

41. لا يكاد يمر حادث من حوادث العنف الطائفي إلا وقد استهدفت خلاله كنيسة أو أكثر بالرشق بالحجارة وأحيانا بمحاولة إحراقها مع ترديد هتافات دينية معادية. إلا أن هناك نمطاَ آخر من استهداف الكنائس، مثلما حدث في منطقة الزيتون بالقاهرة عندما وقع انفجاران في مساء يوم 10 مايو 2009 أمام مطرانية الزيتون للأقباط الأرثوذكس. وحادث حرق كنيسة أبسخريون القليني الواقعة بعزبة باسليوس التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا في 11 يوليو 2009، والذي تبادل فيه مسلمو ومسيحيو العزبة الاتهامات بشأن من ارتكب الجريمة. وحادث احتراق كنيسة القديس مار مرقس بمركز سنورس بالفيوم في 1 ديسمبر 2009، والذي بدا أنه بفعل فاعل. وحادث تحطيم صلبان بأعلى كنيسة الشهيد أبي فام الجندي بمركز طما في محافظة سوهاج في 10 أكتوبر 2009 على يد مجهول. وحادث هدم كنيسة قديمة تابعة لأتباع طائفة الروم الأرثوذكس بمدينة رشيد في محافظة البحيرة والذي قام به نحو أربعين شخصاً يقودهم قاضٍ وولداه وكيلا النيابة في 19 سبتمبر 2008. فضلاً عن دير أبو فانا الخاص بالأقباط الأرثوذكس والواقع في نطاق مركز ملوي بمحافظة المنيا والذي تعرض في يوم 9 يناير 2008 إلى اعتداء مسلح من قرابة عشرين شخصاً أسفر عن إتلاف ما يقرب من ثماني قلايات (وهي الغرف المخصصة لخلوة رهبان الدير). وفي يوم 31 مايو 2008 تعرض الرهبان المقيمون في الدير ذاته إلى اعتداء مسلح جديد من قرابة ستين شخصاً من البدو المقيمين في قرية (قصر هور) المتاخمة للدير. وقد وقع الصدام بسبب نزاع بدأ منذ عدة سنوات بين رهبان الدير الأثري الذين يقومون باستصلاح الأرض المحيطة بالدير وبين البدو المسلمين المقيمين في القرية المجاورة والذين يعتبرون الأرض ملكاً لهم بوضع اليد رغم كونها من أملاك الدولة. ورغم أن هذا النزاع لم يبدأ لأسباب دينية، إلا أن العنف الذي تعرض له القائمون على الدير ورهبانه يكشف عن أبعاد طائفية خطيرة وغير مسبوقة، من تدمير كنيسة الرهبان وإتلاف الأناجيل الموجودة بداخلها، إلا اختطاف رهبان وتعذيبهم وإهانة معتقداتهم عبر إجبارهم على البصق على الصلبان وترديد شهادة الدخول في الإسلام.

القتل العمد على أساس الهوية الدينية

42. يعد القتل العمد نمطاً آخر من أنماط العنف الطائفي الذي يجري فيه استهداف القتلى بسبب معتقداتهم الدينية، مثل حادث مقتل مسيحي وإصابة ثلاثة آخرين إصابات بالغة أثناء ترديد الجاني لعبارة “يا كفرة يا نصارى” و”أنا هموتهم كلهم” في 17 سبتمبر 2009 بمركز الباجور التابع لمحافظة المنوفية. ومازال التحقيق في القضية مستمراً في انتظار تقييم القدرات العقلية للجاني. وكذلك حادث نجع حمادي في قنا والذي خطط فيه ثلاثة مسلمين لقتل أكبر عدد ممكن من المسيحيين وقاموا بالفعل بقتل ستة مسيحيين ومسلم كان برفقتهم وأصابوا تسعة مسيحيين في يوم 6 يناير 2010. وكان السبب وفقاً لتحقيقات النيابة العامة هو أن المجني عليهم من “طائفة” اتهم أحد أتباعها بأنه اغتصب فتاة من “طائفة” الجناة. وفي منطقة الأميرية بالقاهرة في 6 أكتوبر 2008 قتل مسيحي زوج شقيقته التي سبق وأن أسلمت وتزوجت من المجني عليه باستخدام سلاح آلي وأصاب شقيقته وابنتها بمساعدة من عم القاتل.
43. وفي 27 سبتمبر 2009 تظاهر المئات من مسيحي قرية دلجا الواقعة بمركز دير مواس بمحافظة المنيا احتجاجاً على مقتل مسيحيين اثنين من أبناء القرية وإصابة ثلاثة آخرين في مشاجرات مع مسلمين، وان لم تكن هناك دلالات قوية على أن الضحايا قتلوا لأسباب دينية إلا أن تكرار حوادث القتل خلال فترة قصيرة (شهري أغسطس وسبتمبر 2009) أشعرت المسيحيين هناك بأنهم مستهدفون، حتى أنهم رفعوا لافتات مكتوب عليها “الدور على مين؟”. وكذلك شهدت قرية دفش مظاهرة قام بتنظيمها مئات من الأقباط في يوم 5 يونيو 2008 أمام إحدى الكنائس بعد مصرع شاب قبطي بالقرية في اليوم نفسه. وكان أحد مسلمي القرية قام بطعن الشاب بالسكين في أحد الحقول انتقاماً منه لقيامه بالتلصص على منزل شقيق القاتل وزوجته. وفي يوم 5 أكتوبر 2008 أصدرت محكمة جنايات المنيا حكماً على الجاني بالحبس لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ!  وكان مسيحي آخر قد قتل أثناء مواجهات طائفية شهدتها قرية الطيبة التابعة لمركز سمالوط بمحافظة المنيا في أكتوبر 2008، وبرأت المحكمة المتهم في 4 مايو 2009.

كيف تتعامل الدولة مع أحداث العنف الطائفي؟

44. يمكننا الجزم بأنه – وحتى هذه اللحظة- لا تملك الدولة خطة لمواجهة العنف الطائفي المتزايد في البلاد أو لمعالجة الاحتقان الطائفي. ويرجع هذا بالأساس إلى أن الدولة دأبت حتى وقت قريب على إنكار وجود العنف أو الاحتقان الطائفي من الأصل. وليس أدل على ذلك من موقف محافظ المنيا في تصريحاته التي أدلى بها لجريدة الوطني اليوم الناطقة باسم الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم (في عدد 24 نوفمبر 2009) والتي نفى فيها وقوع أي حادث عنف طائفي واحد في محافظته، وهي المحافظة ذات النصيب الأكبر من حوادث العنف الطائفي في مصر كما ورد أعلاه.
45. طوال فترة الرصد سيطرت وجهة النظر الأمنية البحتة على تعامل الدولة مع العنف الطائفي، مما أدى لاستمرار الفشل الذريع في التعامل مع المشكلة والنظر إليها كحوادث منفصلة في غياب أي رؤية شاملة للأسباب أو المظاهر أو الحلول. وتتولى وزارة الداخلية التعامل مع كل حادثة، وعلى وجه التحديد جهاز مباحث أمن الدولة. ويمكننا وصف طريقة تدخل وزارة الداخلية باختصار بأنها قاصرة، وعنيفة، وقصيرة النظر، وفي أغلب الأحوال غير قانونية، وتهدف دائما إلى فرض التهدئة عنوة: فإما التصالح والتهدئة أو مواجهة الاعتقال وأحيانا العقاب الجماعي للضحايا!
46. في حالات قليلة للغاية تدخل المسئولون التنفيذيون غير الأمنيين كالمحافظين في معالجة حوادث العنف الطائفي في محافظاتهم، ودائما ما تكون تدخلاتهم ضعيفة وغير فعالة. أما باقي وزارات الدولة فإنها تحافظ في الأغلب على مسافة تبعدها عن العنف أو الاحتقان الطائفي وكأنه شأن لا يخصها، وتترك الساحة لوجهة النظر الأمنية في التعامل مع أطراف كل حادث من الضحايا والجناة وأقاربهم وأعيان المنطقة والطرف المهم وهي الكنيسة والتي تلعب دورا هاما ـ إيجاباً وسلباً ـ في أعقاب وقوع الأحداث. وأحيانا يتدخل أعضاء مجلس الشعب أو المجالس المحلية، ولكنهم دائما ما يتدخلون لمساعدة الأجهزة الأمنية في فرض التهدئة وليس تفعيل القانون عبر تقديم الجناة إلى العدالة.
47. السلطة القضائية ـ وتحديداً قضاة المحاكم ـ مستبعدون في أغلب الأوقات من نظر قضايا العنف الطائفي. فإحالة جرائم العنف الطائفي إلى المحاكم نادرة للغاية وتكاد تكون منعدمة. أما النيابة العامة فإن دورها في التعامل مع أحداث العنف الطائفي يبعث على الخزي، فرغم أن القانون المصري يعطيها صلاحيات قضاة التحقيق المنوط بهم إجراء تحقيقات فورية ومستقلة للتوصل إلى الجناة الحقيقيين وتقديمهم للعدالة مع كافة أدلة ثبوت ارتكابهم الجريمة لحماية المجتمع من الخارجين عن القانون وتحقيق العدالة، فإننا نجد أنها دائما ما تميل لمعاونة الأجهزة الأمنية في إجراءات “التصالح” حتى وإن كانت تلك الإجراءات مخالفة للقانون، مثل قبول التصالح في الجنايات والذي لا يسمح به القانون المصري. وفي أحيان أخرى تكتفي النيابة بإجراء تحقيقات شكلية وهزيلة تكاد تخلو من أية أدلة، وهو ما يترتب عليه عدم التوصل إلى الجناة، أو حصولهم على أحكام بالبراءة في حالة إحالتهم إلى المحاكمة، وبذلك يكون الإفلات من العقاب هو النتيجة السائدة في أغلب جرائم العنف الطائفي.

دور الأجهزة الأمنية: التهدئة على حساب العدالة

48. فرض التهدئة هو هدف وزارة الداخلية في كافة أحداث العنف الطائفي. وغالباً ما يأتي ذلك عنوة ورغما عن إرادة الأطراف المتورطة في المصادمات الطائفية. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف تتخذ وزارة الداخلية عدداً من التحركات المتتالية وغير القانونية في أحيان كثيرة. وغالباً ما تنتهي أحداث العنف الطائفي بـ”التصالح” الذي ترعاه وزارة الداخلية باستخدام نفوذها وكافة أوراق الضغط المشروعة وغير المشروعة التي تملكها، ومحاولة الوصول بالأوضاع إلى حالة “وكأن شيئا لم يكن”.
49. التدخل المباشر من قبل وزارة الداخلية – والذي يكون سريعا عقب نشوب الأحداث مباشرة في بعض الحالات أو يستغرق ساعات طويلة في البعض الآخر- غالبا ما يستخدم فيه العنف المفرط من قبل أجهزة الشرطة بغرض تفريق التجمعات، حتى عندما تكون تلك التجمعات سلمية، بل حتى إن كانت تجمعات ينظمها الضحايا احتجاجا على تعرضهم للاعتداء. ووصل الأمر إلى أن باحثي المبادرة  المصرية رصدوا في بعض حوادث العنف الطائفي تورط رجال الشرطة أنفسهم في عمليات عنف تجاه المسيحيين وفي الاعتداء على ممتلكاتهم، مثل أحداث عزبة بشرى الشرقية التابعة لمركز الفشن بمحافظة بني سويف التي وقعت في 21 يونيو 2009، حيث أجمعت العديد من الشهادات التي حصل عليها ووثقها باحثو المبادرة المصرية على أن رجال الأمن كانوا يقتحمون منازل المسيحيين ويقومون بتحطيم ممتلكاتهم. وكذلك في أحداث صفط اللبن بحي بولاق الدكرور في محافظة الجيزة التي وقعت في يوم 13 مايو 2009، والتي أكد فيها بعض الضحايا على أن رجال الشرطة كانوا يحطمون ممتلكات المسيحيين أثناء عمليات القبض عليهم من داخل منازلهم.
50. تعجز الشرطة ـ أو تمتنع في بعض الأحيان ـ في أحداث العنف الطائفي عن التدخل لحماية منازل وممتلكات الأقباط، وخاصة في الأحداث التي تتسم بطابع الانتقام الجماعي، والتي يتورط فيها أعداد كبيرة من المسلمين. وقد يرجع ذلك في بعض الأحوال إلى زيادة عدد المعتدين عن أعداد قوات الأمن، التي تخشى من الدخول في مواجهة معهم قد تنتهي بخسائر بين قوات الأمن. ومن الأمثلة الواضحة على هذا العجز أو الامتناع ما حدث في مدينة ديروط بمحافظة أسيوط، والتي وقعت فيها أحداث عنف طائفي بدأت الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم 24 أكتوبر 2009 ولم تتدخل قوات الأمن لوقفها حتى الثالثة من عصر نفس اليوم، وطوال خمس ساعات قام المسلمون بمهاجمة خمس كنائس وعدد كبير من الصيدليات والمحال التجارية. وكذلك مثلما حدث في قرية الشورانية التابعة لمركز المراغة بمحافظة سوهاج من 28 إلى 31 مارس 2009، عندما هاجم مسلمو القرية منازل جيرانهم المصريين البهائيين وممتلكاتهم، وأدى عجز الشرطة عن القيام بدورها إلى إحراق خمسة منازل مملوكة للبهائيين في القرية بشكل شبه كامل. وتكرر الأمر ذاته في العديد من حوادث العنف الطائفي.
51. تعد عمليات القبض العشوائي والاحتجاز غير القانوني والاعتقال الإداري بموجب حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1981 عناصر متكررة في أحداث العنف الطائفي، يقوم بها رجال الشرطة بغض النظر عن كون المعتقلين من الضحايا أم من الجناة. وغالبا ما تتعمد الداخلية اعتقال أعداد مساوية أو متقاربة من المسلمين والمسيحيين. ويتم الاعتقال لتحقيق هدف فرض التهدئة من خلال استخدام المعتقلين كرهائن، أو ورقة ضغط على الأهالي لقبول التنازل عن حقوقهم وإنجاح جلسات الصلح العرفي التي ترعاها وزارة الداخلية. وفي أحيان أخرى تكون الاعتقالات شكلاً من أشكال معاقبة المتورطين بعيداً عن المحاكم ودونما اعتبار للقانون.

52. قد تكون عمليات الاعتقال العشوائي غير كافية في بعض الحالات لفرض التهدئة، فتعمد وزارة الداخلية حينها إلى التصعيد عبر فرض حظر التجوال في منطقة التوتر، وأحيانا تقوم بعمليات عقاب جماعي لسكان المنطقة أو القرية، مثل استخدام أجهزة كشرطة الكهرباء أو شرطة البيئة أو مباحث التموين أو مصلحة الضرائب في تحرير مخالفات وفرض غرامات مالية بهدف إخضاع أهالي تلك المنطقة لقبضة الأمن، مثلما حدث في قرية دفش ذات الأغلبية المسيحية والتابعة لمركز سمالوط بمحافظة المنيا في سبتمبر 2008.
53. التهجير القسري ـ والذي لا يجيزه القانون المصري بأي حال من الأحوال ـ تكرر بوتيرة متزايدة على مدى العامين لماضيين، وتقوم به وزارة الداخلية في أغلب الأحوال لإرضاء المسلمين في منطقة التوتر ولفرض التهدئة. وفي أغلب الأوقات يكون الإبعاد نهائياً وبناء على تعليمات شفهية من ضباط أمن الدولة، أو تكون مدة الإبعاد عن السكن أو المدينة غير معلومة، مثلما حدث مع خمس أسر بهائية تم تهجير أفرادها من منازلهم بقرية الشورانية في محافظة سوهاج منذ 31 مارس 2009 وحتى وقت صدور هذا التقرير. وكذلك إبعاد الكاهن إسحاق قسطور عن عزبة بشرى الشرقية التابعة لمركز الفشن بمحافظة بني سويف في 29 يونيو 2009، بعد أحداث العنف التي شهدتها العزبة في 21 يونيو 2009. وذات الأمر حدث مع مدرس مسيحي أبعد عن مدينة أبو المطامير بمحافظة البحيرة هو وزوجته وأبنائهما الثلاثة إلى محافظة أخرى منذ أبريل 2008 بعد تردد شائعات أنه يقوم بإقناع طالباته بالتحول إلى المسيحية. وفي حالات أخرى يتم الإبعاد لفترات زمنية قصيرة نسبياً، مثل إبعاد خمسة مسيحيين من مركز سيدي سالم التابع لمحافظة بني سويف لمدة ثلاثة أشهر من منتصف أكتوبر 2008 إلى بداية  يناير 2009.
54. في سبيل فرض التهدئة في كل منطقة تشهد توترات طائفية تلجأ وزارة الداخلية وبشكل منهجي إلى عقد جلسات صلح عرفي كبديل عن آليات العدالة وجبر الأضرار، وليس كآلية شعبية مكملة لعمل مؤسسات العدالة الجنائية. وغالبا ما تتضمن جلسات الصلح تنازل الضحايا عن الشكوى المقدمة منهم، وإجبار الضحايا على الإقرار بهذا التنازل مباشرة أمام النيابة العامة أو توثيقه لدى الشهر العقاري وتقديمه إلى النيابة. وكذلك تتضمن جلسات الصلح تعهداً بعدم إقامة إية دعاوى قضائية من طرفي النزاع، بما في ذلك التعهد بعدم المطالبة بالتعويض أمام المحاكم. وبينما تفشل هذه الجلسات في معالجة أسباب العنف على كافة المستويات، فإنها أبضاً تدخل الطمأنينة في قلوب المعتدين بأنهم في حال تكرار أفعالهم فإنهم لن يكونوا مطالبين بدفع تعويضات عن الخسائر التي تسببوا فيها ولن يواجهوا أي اتهامات جنائية، وأن الأمر في أقسى عقوباته لن يتعدى الاعتذار الشفهي، وهو الأمر الذي يشجع المعتدين على تكرار أفعالهم برعاية غير مباشرة من وزارة الداخلية.
55. في حالات نادرة للغاية تنتهي جلسات الصلح بالاتفاق على تعويض الضحايا. حيث لم يحدث ذلك ـ وفقا لرصد باحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ـ إلا في حالتين من بين 53 حالة تم توثيقها خلال فترة الرصد: تعويضات الأقباط المضارين من اعتداءات قرية النزلة بمحافظة الفيوم في عام 2008 (والتي تقاسمتها الكنيسة مع المحافظة)، وتعويضات الأقباط المضارين من اعتداءات فرشوط في محافظة قنا في عام 2009 (والتي تقاسمتها وزارة التنمية المحلية مع نقابة الصيادلة بالمحافظة).

لا عقاب على العنف الطائفي

56. إن استبعاد القضاء من النظر في حوادث العنف الطائفي هو النمط الثابت في تعامل الدولة مع أحداث العنف الطائفي. فدائما ما تحاول أجهزة الأمن من البداية الحيلولة دون عرض الحادثة على النيابة العامة للتحقيق، وتبدأ مساومة أطراف النزاع والضغط عليهم للتصالح في مقرات الشرطة. أما إن كان الحادث جسيماً إلى درجة لا يمكن التكتم عليها فإن أجهزة الأمن تسمح بعرضها على النيابة العامة، التي تشرع في إجراء التحقيقات في نفس الوقت الذي تقوم فيه الأجهزة الأمنية بتكثيف ضغوطها على الجناة والمجني عليهم وأهاليهم لتنتهي معظم التحقيقات بالتصالح. وعلى سبيل المثال فعقب اعتداءات دير أبو فانا التابع لمدينة ملوي بمحافظة المنيا في يوم 31 مايو 2008 اعتقلت الأجهزة الأمنية شخصين من المسلمين ومثلهما من المسيحيين، وظللوا رهن الاعتقال الإداري بموجب قانون الطوارئ على مدى أكثر من عام حتى تم التصالح وتغيير أقوال الشهود والمجني عليهم أمام النيابة العامة في يوليو 2009. وبعد التصالح تم إطلاق سراح “الرهائن” الأربع في منتصف أغسطس 2009.
57. كثيرا ما تشوب تحقيقات النيابة مخالفات قانونية جسيمة، مثل قبول التصالح غير المسموح به قانونا في الجنايات، كالحوادث التي يتم فيها إحراق منازل أو منشآت صناعية أو تجارية مملوكة للمسيحيين، وهي جنايات لا يجوز قانونا التنازل عنها من طرف المجني عليهم. وعلى الرغم من أن قانون العقوبات المصري منح حماية خاصة لدور العبادة من تعرضها للإتلاف أو التخريب، حيث قررت المادة 160 من قانون العقوبات عقاباً لمن يقوم بتلك الجريمة التي لا يجوز التصالح فيها، إلا أن هذه المادة يبدو أنها لا تطبق على من يقوم بإتلاف أو تخريب كنيسة. فالكثير من جرائم العنف الطائفي التي وقعت في مصر خلال العامين الماضيين تم فيها استهداف كنائس وإحداث تلفيات بها بل أحيانا محاولة حرقها، إلا أن المبادرة المصرية لم ترصد محاكمة واحدة لأحد الأشخاص بهذه التهمة. ففي يوم 20 يونيو 2008 قام مئات من المسلمين المقيمين بقرية النزلة التابعة لمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم بالاعتداء على ممتلكات ومنازل أقباط القرية، فضلاً عن تحطيم واجهة كنيسة بالقرية رجماً بالحجارة وإحداث تلفيات بسيارة كاهن الكنيسة. وقامت أجهزة الأمن بعقد جلسة صلح بين الطرفين في يوم 1 يوليو 2008 ولم تحل الدعوى إلى المحكمة. وتكرر الأمر نفسه في حادث الاعتداء على دير أبو فانا وكنيسته كما ورد أعلاه.
58. في العديد من جرائم العنف الطائفي يفشل محققو النيابة العامة في التوصل إلى الجناة. ويبدو أن هذا الفشل راجع إما إلى ضعف قدرات القائمين على التحقيق من رجال النيابة العامة أو عدم رغبتهم أصلا في التوصل إلى الجناة. فالاعتداءات الطائفية واسعة النطاق ضد المسيحيين في مركزي فرشوط وأبو تشت بمحافظة قنا، والتي بدأت يوم الخميس 19 نوفمبر واستمرت حتى يوم الاثنين 23 نوفمبر وهاجم فيها المعتدون العديد من ممتلكات المسيحيين من محال تجارية وصيدليات وسيارات ومنازل وحقول، فشلت النيابة العامة حتى صدور هذه الدراسة في التوصل إلى الفاعلين فيها. وكذلك حادثة العنف الطائفي في قرية الشورانية التابعة لمركز المراغة بمحافظة سوهاج في 31 مارس 2009، حيث فشل المحققون وبعد مرور أكثر من عام في التوصل إلى الفاعلين الحقيقيين في عمليات إحراق منازل البهائيين وممتلكاتهم وتقديمهم إلى العدالة.
59. إن نسبة جرائم العنف الطائفي التي رصدتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية خلال العامين الماضيين في محافظة المنيا والتي لم تتم إحالتها للمحاكمة تبلغ 100%. ويكاد يتشابه الوضع ذاته في باقي المحافظات التي وقعت بها أحداث عنف طائفي. والحوادث القليلة للغاية التي تم عرضها على المحاكم يبدو أن المحققين فيها لا يبذلون القدر الكافي من الجهد والتحقيقات اللازمة للوصول إلى الجناة الحقيقيين، ولا يتم إتباع الإجراءات القانونية السليمة وتقديم أدلة الثبوت الكافية والمقنعة إلى قضاء الحكم، وينتج عن ذلك الحكم بالبراءة بطبيعة الأحوال. فبعد الاعتداءات الطائفية واسعة النطاق التي شهدتها مدينة ديروط بمحافظة أسيوط يوم 24 أكتوبر والتي استهدفت ثلاث كنائس ومبنى مطرانية الأقباط وممتلكات لمسيحيين من بينها صيدليات ومحال تجارية وسيارات ومنازل، صدر الحكم في جلسة 13 ديسمبر 2009 برئاسة المستشار خالد مصطفى ببراءة المتهمين جميعاً.
60. إن تكرار غلق ملفات القضايا المتعلقة بأحداث العنف الطائفي، أو عدم المضي فيها بسبب التصالح ـ بما في ذلك القضايا التي لا يجوز فيها التصالح ـ وكذلك أحكام البراءة التي تصدر في جميع جرائم العنف الطائفي، كلها أسباب جعلت الإفلات من العقاب هو الطابع السائد في جرائم العنف الطائفي. وهو ما تسبب في تزايد حدة العنف الطائفي وخسائره مع نهاية عام 2009 وبداية 2010. فالمعتدون ينتهي بهم الحال وهو يشعرون بالانتصار مرتين: مرة حين نفذوا اعتداءاتهم الإجرامية ضد الطرف الأضعف، ومرة حين أنصفتهم الدولة ووفقت بجوارهم وحمتهم من العقاب على اعتداءاتهم. وبالمثل، فإن الحصانة من العقاب تترك الضحايا لشعورهم بأنهم غرباء ومواطنو درجة ثانية في بلدهم، أولا بسبب ما تعرضوا له من اعتداءات لا لسبب سوى لكونهم مسيحيين، وثانيا لأن الدولة لم تنصفهم بل لم تقف حتى على الحياد إزاء ما تعرضوا له واختارت الوقوف في خندق المعتدين عليهم.

الخلاصة: من أين يبدأ الحل؟

الخطوة الأولى: الاعتراف بالمشكلة
61. بمناسبة المولد النبوي الشريف في 28 فبراير 2010 ألقى رئيس الجمهورية خطابه السنوي المعتاد في هذه المناسبة، غير أن الخطاب أكد على أن الدولة “تمضي في تحمل مسئوليتها لتفعيل أحكام الدستور الخاصة بمفهوم المواطنة ولتساوي كافة المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز”، وطالب المجتمع المدني ورجال الدين والمفكرين بالقيام بدورهم لتعزيز تلك المفاهيم ولنشر قيم المواطنة ومبادئها وثقافتها وممارستها. وأشار الخطاب إلى جهود وصفها بأنها “يشتد الحاجة إليها للتصدي لمخاطر الانقسام والتطرف والتحريض الطائفي” من جانب رجال الدين ومن جانب مؤسسات التعليم والثقافة ودور النشر وأجهزة الإعلام. وقال “إننا في مصر واعون تماما لهذه المخاطر.”
62. وبعد أيام قليلة من حادث نجع حمادي، ألقى الرئيس خطاباً بمناسبة عيد العلم في يناير 2010، ذكر فيه أن “عقلاء هذا الشعب ودعاته ومفكريه ومثقفيه وإعلامييه يتحملون مسئولية كبرى في محاصرة الفتنة والجهل والتعصب الأعمى والتصدي لنوازع طائفية مقيتة تهدد وحدة مجتمعنا وتماسك أبنائه”.
63. قد يبدو من الخطابين أن مسئولي الدولة، بل ورأس الدولة، قد بدءوا أخيراً في إدراك مخاطر الاحتقان الطائفي والاعتراف بأن لدينا مشكلة، وهي الخطوة الأولي على طريق الحل. ولكن هذا التغير الخطابي سيكون ذا تأثير محدود للغاية ما لم تتم ترجمته إلى برنامج عمل واضح لحل المشكلة ومعالجة جذورها ومظاهرها. ولا سبيل لذلك إلا من خلال احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وكفالتها لكافة المواطنين دون تمييز.
قبل أن نبدأ: نحو منظور شمولي لمعالجة الملف الطائفي
64. تعيد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التأكيد على أنه لابد أن تنطلق أي محاولات لحل مشكلة العنف الطائفي المتفاقمة في مصر من إدراك عدد من الحقائق المترابطة والمتساوية في الأهمية: أولاً، أن معالجة ملف العنف الطائفي يجب أن تجري ضمن إطار أوسع لمعالجة غيره من أشكال انتهاكات الحق في حرية الدين والمعتقد في مصر؛ وثانياً، أن معالجة ملف الحريات الدينية يستحيل أن ينجح إن لم يكن ضمن سياسة جديدة من احترام حقوق جميع المواطنين والمقيمين في مصر وحرياتهم الدستورية في إطار ديمقراطي يحترم قيم دولة القانون ويؤمن بدور المجتمع المدني ويعالج كافة أوجه الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الموجه نحو أي من المصريين دون تمييز؛ وثالثاً: أن الإطار الدستوري والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها الدولة المصرية بها ما يكفي من القواعد اللازمة للبدء في إجراءات الحل، ولا ينقص سوى الاعتراف الكامل بفداحة المشكلة واتخاذ القرارات اللازمة لمعالجتها دون إبطاء.
65. كما تدرك المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن أي محاولة للحل يجب أن تبدأ عبر الدراسة الوافية لمفهوم الطائفية عموماً وفي مصر على وجه التجديد، وفهم جذور التوتر الطائفي لدينا من الناحية التاريخية والموضوعية، وتجلياته العنيفة أو الأقل عنفاً، والقدرة على الوصول لقدر كبير من المعلومات التي تتطلب أن تكون أجهزة الدولة أكثر شفافية ووضوحاً.
66. ورغم أن الدولة تتحمل المسئولية الأساسية عن مواجهة ظاهرة العنف الطائفي وعن الاستجابة الفعالة لها، إلا أن هيئات المجتمع تتحمل بدورها جانباً من المسئولية عن التصدي الفعال لخطر التوتر الطائفي المتصاعد. ويشترك الطرفان في تحمل نتيجة الفشل على مدى ما يقرب من أربعة عقود في مواجهة هذا الخطر والسعي إلى القضاء عليه. وتتوزع مسئولية الهيئات غير الرسمية على كل من منظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، وعلماء ورجال الدين المسلمين والمسيحيين، والقيادات المجتمعية المحلية.
67. إن التضييق على عمل المجتمع المدني أو عدم إشراكه في مواجهة مشاكل المجتمع هو خطأ شديد سندفع جميعا ثمنه، لأن الدولة بكافة مؤسساتها لم ولن تقدر بمفردها على معالجة مشاكل المجتمع المختلفة بما فيها مشكلة الطائفية والاحتقان والعنف الطائفيين. على الدولة أن تدرك أنه قد آن الأوان لإفساح المجال لمنظمات المجتمع المدني للمساعدة في حل مشكلات المجتمع وأن تستجيب لمطالبها المشروعة وعلى رأسها كفالة الحق في حرية التنظيم.
68. كما أن إعمال الدولة لكافة حقوق الإنسان، وتمكينها لكافة الأفراد على اختلافهم وتنوع خلفياتهم من التمتع بها، واحترام أحكام الدستور والقانون ووقف انتهاكاتهما، وتمكين الأفراد من الوصول إلى العدالة والحصول على الانتصاف القضائي، وإشراك أفراد المجتمع في إدارة شئون مجتمعهم وخلق مجتمع مدني نشط وفعال، ومواجهة الفقر عبر ضمان العدل الاجتماعي، كلها إجراءات ستساهم بلا شك في معالجة الاحتقان الطائفي وعوارضه.
69. حيث يتركز الفقر ترتفع وتيرة أحداث العنف الطائفي، قد تكون تلك نتيجة منطقية لربط نتائج تقرير التنمية البشرية في مصر لعام 2008 بما يحدث على أرض الواقع من أحداث عنف طائفي. خريطة الفقر التي حواها تقرير التنمية البشرية لمصر لعام 2008، أشارت إلى أن الفقر يتركز في القرى وخاصة في قرى الصعيد، ومن خلال عمليات الرصد التي قامت بها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لاحظنا وجود تقارب شديد بين تلك الخريطة وأماكن تركز أحداث العنف الطائفي. فأكثر واكبر أحداث العنف الطائفي تقع في القرى والنجوع وخاصة في قرى صعيد مصر ثم تليها المدن الفرعية ثم المدن الكبرى بمراكز المحافظات.
70. تؤكد معظم الشهادات التي حصلت عليها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الشباب هم الأداة المنفذة لأغلب عمليات العنف الطائفي. وهناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة تتعلق بعزلة قطاعات من الشباب المسيحي وعدم اندماجهم في المجتمع سواء داخل المدارس والجامعات أو النوادي والتجمعات المدنية الأخرى. وهذان الوجهان لمشكلة واحدة يحتمان أن يكون الشباب في قلب أي محاولة لمعالجة ملف العنف الطائفي.

التوصيات الموجهة إلى الحكومة المصرية

71. على المدى القصير توصي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الحكومة باتخاذ الإجراءات التالية على وجه السرعة:

1- التحقيق الفوري في كل أحداث العنف الطائفي، ومحاسبة المسئولين عنها، وتعويض الضحايا بشكل عادل.
2- الاستمرار في التأكيد على الرسالة السياسية التي قدمها رئيس الجمهورية للمرة الأولى في خطابة بمناسبة عيد العلم في يناير 2010، وخطابه بمناسبة المولد النبوي الشريف في فبراير 2010 والتين تؤكدا على أن في بلدنا مشكلة يجب أن نتكاتف جميعاً لحلها. وأن الدولة ستمضي في تحمل مسئوليتها لتفعيل أحكام الدستور الخاصة بالمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات لكافة المواطنين دون تمييز.
3- دعوة مجلس الشعب إلى تشكيل لجنة خاصة لدراسة مشكلة العنف الطائفي، وعقد جلسات استماع علنية لمناقشة هذا الملف، بمشاركة الضحايا والخبراء ومنظمات المجتمع المدني المستلقة، وفي حضور ممثلين رفيعي المستوى من الحكومة.
4- وقف انتهاكات الأجهزة الأمنية للدستور والقانون، والتي تؤدي إلى وقوع أو تفاقم التوتر الطائفي أو تقع في أعقابه، ومحاسبة المسئولين عن تلك الانتهاكات، وضمان حياد أجهزة الأمن في أداء دورها في إنفاذ القوانين وحفظ الأمن لجميع المصريين.
5- العمل على رفع كفاءة رجال النيابة العامة في التحقيق في الجرائم المرتبطة بالعنف الطائفي للوصل إلى الجناة الحقيقيين، وإصدار تعليمات واضحة بعدم قبول التصالح في الجرائم التي لا يجوز فيها ذلك واستمرار التحقيق في الوقائع التي يحق للنيابة العامة الاستمرار فيها رغم التصالح، والعمل على إحالة المتهمين مع الأدلة الكافية إلى المحكمة المختصة في أسرع وقت ممكن.
6-  إنهاء سياسات التمييز غير المعلن ضد المسيحيين في كافة الوظائف العامة، ووضع معايير التوظيف على أساس الكفاءة وحدها، وإصدار قانون منع التمييز وضمان تكافؤ الفرص وفقاً لاقتراح المجلس القومي لحقوق الإنسان، وتفعيلاً للمبادئ الدستورية ذات الصلة.
7-  مراجعة كافة التشريعات المصرية لضمان تنقيتها من كافة أشكال التمييز المباشر أو غير المباشر على أساس الدين أو المعتقد.
72.  أما على المدى المتوسط والطويل، فإن على الدولة أن تشرع في العمل على تنفيذ عدد من الإجراءات بشكل فوري، وإن كان أثرها سيتحقق بشكل تراكمي على مدى زمني أطول نسبياً بسبب الفشل في التصدي الحاسم لهذا الملف على مدى العقود الأربعة الماضية، ومن بينها:
1. تكليف فريق بحثي مستقل بإعداد دراسة شاملة لجذور التوتر الطائفي في مصر من الناحيتين التاريخية والموضوعية، وتجليات هذا التوتر العنيفة أو الأقل عنفاً، وتقييم استجابة الدولة له على مدى القرن الأخير بشكل موضوعي وصريح، واستكشاف طرق التصدي لهذا التوتر مع وضع خارطة طريق تحوي التزامات واضحة ومحددة وقابلة للقياس، مصحوبة ببرنامج زمني لتنفيذها.
2.  وضع إستراتيجية لإصلاح العملية التعليمية بما يؤدي لتحويل المدارس العامة والخاصة إلى مؤسسات قومية لغرس مبادئ التسامح الديني والتعايش المشترك والوطن الواحد لجميع المصريين، وإعداد المعلمين القادرين على قيادة هذه العملية، وإصلاح مناهج التعليم بما يكفل تنفيذ هذه الإستراتيجية، وذلك في إطار إستراتيجية أوسع تهدف إلى إدماج قيم ومبادئ ومفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية.
3.  تكثيف الرسالة الإعلامية لأجهزة لإعلام المملوكة للدولة حول مبادئ ومفاهيم حقوق الإنسان ومبادئ التسامح الديني والتعايش المشترك والوطن الواحد لجميع المصريين، وتشجيع وسائل الإعلام الخاصة والحزبية على الاشتراك في خدمة هذه الرسالة.
4. البدء في تدريب الإداريين والقائمين على تنفيذ أحكام القانون على احترام قيم ومبادئ ومفاهيم حقوق الإنسان بما فيه احترام الاختلاف العقائدي وعدم التمييز على أساس الدين والمعتقد، على أن يشمل التدريب القضاة ووكلاء النائب العام ورجال الشرطة والمدرسين والإداريين أيا كانت مواقعهم.
5. العمل على إعادة إدماج الشباب عموما في مؤسسات الدولة الثقافية والاجتماعية والسياسية، والعمل على وضع آليات فعالة لإنهاء عزلة قطاعات من الشباب المسيحي وإعادتهم مرة أخرى إلى المجتمع بعد دراسة الأسباب التي أدت إلى هذا الفرز.
6. إشراك المؤسستين الدينيتين الرسميتين للإسلام والمسيحية في إستراتيجية تعزيز قيم التسامح الديني والتعايش المشترك والوطن الواحد لجميع المصريين.
7. إفساح المجال للمجتمع المدني للنهوض بمسئولياته، ودعوة وتشجيع أفراد المجتمع على اختلافهم في الريف والحضر لمشاركة الدولة في العمل على التصدي للعنف الطائفي.

ملحق: جداول وبيانات

توزيع حوادث العنف الطائفي جغرافيا

الأجمالى 2009 2008 المحافظة
21 11 10 المنيا
4 1 3 القاهرة
3 1 2 الفيوم
2 0 2 البحيرة
2 1 1 قنا
4 3 1 بني سويف
1 0 1 كفر الشيخ
2 1 1 الأقصر
1 0 1 الشرقية
2 1 1 الإسكندرية
1 0 1 القليوبية
3 3 0 الدقهلية
2 2 0 سوهاج
1 1 0 الغربية
1 1 0 الجيزة
1 1 0 المنوفية
1 1 0 أسيوط
52 28 24 الإجمالي

جدول أنماط حوادث العنف الطائفي

2009 2008 النمط
16 8 8 شجار يتطور لمصادمات طائفية
14 10 4 انتقام جماعي
10 5 5 حوادث عنف مرتبطة بإقامة شعائر دينية
7 4 3 استهداف الكنائس
3 1 2 قتل لأسباب دينية
2 0 2 أخرى
52 28 24 الإجمالي

فريق عمل الدراسة

قام بإعداد هذه الدراسة عادل رمضان المسئول القانوني بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. وقام المدير التنفيذي حسام بهجت بتحرير الدراسة وكتابة بعض أجزائها أيضا. كما ساهم إسحق إبراهيم الباحث ببرنامج حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية في كتابة ومراجعة بعض الأجزاء. بينما قام المسئول الإعلامي أحمد محجوب بأعمال المراجعة التحريرية واللغوية. وأعد الدراسة للنشر رامي رؤوف مسئول الإعلام الالكتروني والنشر بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

إضغط هنا لتنزيل التقرير فى هيئة ملف PDF

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: