تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حول أحداث نجع حمادى


المبادرة المصرية للحقوق الشخصية


نجع حمادي: شهود على الفتنة

التقرير الكامل

مقدمة  وملخص

في يوم 6 يناير 2010، وفي حوالي الساعة 30:11 مساء، شهدت مدينة نجع حمادي بمحافظة قنا في صعيد مصر حادثاً إجرامياً حين تم إطلاق الرصاص على تجمعات من شباب الأقباط في ثلاثة مواضع مختلفة عقب دقائق من انتهاء قداس عيد الميلاد القبطي. وأسفر الهجوم الذي تم تنفيذه باستخدام سلاح آلي من سيارة مسرعة عن مقتل سبعة أشخاص من بينهم مساعد شرطة مسلم في الثامنة والعشرين من عمره، و6 أقباط تتراوح أعمارهم بين 17 و29 عاماً، فضلاً عن إصابة تسعة أقباط آخرين.
وأثناء تشييع جنازات القتلى ظهر يوم الخميس 7 يناير وحتى فجر السبت 9 يناير اندلعت موجات من الاعتداءات الطائفية التي طالت منازل وممتلكات الأقباط في نجع حمادي، وقرية بهجورة المجاورة، وعزبة تركس التابعة للقرية، حيث قامت مجموعات تحمل أسلحة بيضاء وعصياً وأوعية من البنزين بكسر أبواب المحلات التجارية وسرقتها وإشعال النيران فيها، بل وحاولوا في بعض الحالات فتح أبواب المنازل عنوة والتهجم على سكانها.
وبعد أقل من يومين على ارتكاب جريمة ليلة الميلاد، قام ثلاثة أشخاص بتسليم أنفسهم للشرطة بعد محاصرة منطقة اختبائهم، وفقاً لبيان وزارة الداخلية. وفي 16 يناير قرر النائب العام إحالة المتهمين الثلاثة إلى محكمة جنايات أمن الدولة العليا، المنشأة بموجب قانون الطوارئ، والتي ستبدأ في شهر فبراير القادم محاكمة المتهمين بارتكاب عدد من التهم تصل عقوبتها إلى الإعدام.
تسعى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من خلال هذا التقرير إلى استجلاء الحقائق الأساسية بشأن حادث 6 يناير، والظروف المحيطة به والمؤدية إليه، والاعتداءات الطائفية التالية له والتي روعت أهالي المنطقة من الأقباط على مدى أربع ليال من العنف والنهب والتخريب. وبينما يقدم التقرير حصيلة التحقيقات الميدانية التي أجراها باحثو المبادرة المصرية في مدينة نجع حمادي والقرى المجاورة لها بعد بضعة أيام من وقوع الاعتداءات، فإن التقرير أيضاً يستند إلى الإفادات والأدلة التي تم جمعها من خلال هذا التحقيق الميداني واستكمالها عبر الجهد البحثي، ليخلص إلى بعض النتائج التي من شأنها أن تسلط الضوء على أداء أجهزة الدولة ـ وتحديداً أجهزتها الأمنية ـ قبل وبعد أحداث يناير 2010.
ومن هذا المنطلق يسعى التقرير إلى الاشتباك مع عدد من الأسئلة الضرورية لتقييم موقف الدولة من أحداث نجع حمادي. وأول هذه الأسئلة، هو عما إذا كان يمكن لأجهزة الدولة توقع اعتداءات نجع حمادي. يؤكد مسئولو الدولة أن الأجهزة الأمنية لم تكن لديها معلومات عن وقوع حادث نجع حمادي، وأنها كانت كفيلة بمنعه في حال توافر معلومات. ولكن المعلومات والشهادات والقرائن المتوافرة لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تدفعنا لاستنتاج أن هذا التصريح يخالف الحقيقة، وأن أجهزة الأمن كانت أمامها دلائل متواترة ومتطابقة تشير إلى أن المنطقة تغلي على نيران من التوتر الطائفي، بل وتلقى أسقف المنطقة وأقباطها ـ وفقاً لتقارير إعلامية منشورة قبل اعتداءات 6 يناير ـ رسائل تهديد ومؤشرات بأن المنطقة قد تشهد أحداث عنف في ليلة عيد الميلاد. وبالتالي فإن التقرير يطرح تساؤلات جادة حول سبب إخفاق أجهزة الأمن في التنبؤ بوقوع جرائم كان ينبغي أن تعلم بأن وقوعها مرجح في ذات الوقت والمكان اللذين وقعت فيهما تلك الجرائم.
كما يلفت التقرير إلى أن جميع إفادات شهود العيان الذين تواجدوا في مناطق إطلاق النار ليلة عيد الميلاد أشاروا إلى الوجود الأمني الهزيل أمام الكنائس في ليلة العيد، في منطقة كانت قد شهدت اعتداءات طائفية جماعية استهدفت الأقباط في نوفمبر 2009، وتتواتر فيها التهديدات باعتداءات جديدة عليهم. وإجابة هذا السؤال سترتبط بالطبع بالإجابة عن السؤال السابق. وسيبقى السؤالان دون إجابة شافية حتى يتم فتح تحقيق مستقل وشامل في الظروف المؤدية إلى جريمة ليلة عيد الميلاد.
ينتقل التقرير بعد ذلك إلى معالجة إخفاق أجهزة الدولة في حماية منازل وممتلكات الأقباط التي تعرضت للاعتداءات الجماعية والنهب والحق من قبل جماعات من المسلمين على مدى الأيام الثالثة التالية لحادث إطلاق النار، حيث غاب التواجد الأمني عن الشوارع والمناطق الملتهبة، والتي كانت مرشحة للانفجار في أي وقت. غير أن التقرير لا يفوته أن يتوقف عند عدد من النماذج المضيئة التي حاول فيها رجال ونساء من المسلمين الدفاع ببسالة عن جيرانهم الأقباط في وجه المعتدين.
ويتعرض الفصل الأخير من التقرير للانتهاكات التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية في الأيام التالية لحادث إطلاق النار. ففي الوقت الذي فشلت فيه أجهزة الأمن في التنبؤ باعتداءات نجع حمادي، وفي التصدي للمهاجمين أثناء تنفيذها، وفي حماية منازل وممتلكات الأقباط من النهب والإحراق والتدمير، فإنها عوضت هذا الفشل بانتهاج النمط المعهود من الانتهاكات التي دأبت على ارتكابها في أعقاب أحداث العنف الطائفي: الاعتقالات العشوائية الفردية والجماعية من الطرفين، واستعمال قانون الطوارئ، وتعذيب المحتجزين وإساءة معاملتهم، وتقييد حرية ممثلي الإعلام ونشطاء المجتمع المدني.
وينتهي التقرير بعدد من التوصيات للقيادات التنفيذية والقضائية والتشريعية، على رأسها ضرورة فتح تحقيق رسمي وشامل ومستقل، سواء من خلال مكتب النائب العام أو عبر تشكيل لجنة مستقلة خاصة وذات صلاحيات قانونية أو كليهما، من أجل إجلاء حقيقة المسئولية الفعلية أو التقصيرية عن وقوع اعتداءات يناير 2010، على أن يشمل التحقيق جميع الظروف المحيطة بهذه الاعتداءات، على الأقل منذ أحداث فرشوط في نوفمبر 2009 وحتى 10 يناير 2010. كما يوصي التقرير بمحاسبة المسئولين عن الاعتداءات الطائفية في الفترة من 6 إلى 9 يناير 2010، وكذلك المسئولين عن الاعتقالات العشوائية وحالات الاحتجاز غير القانونية، والتحقيق في التقارير التي تشير إلى تعرض محتجزين للتعذيب واستعمال القسوة داخل مقر مباحث أمن الدولة بنجع حمادي، وإحالة المسئولين من الضباط ومساعديهم إلى المحاكمة الجنائية بتهمة التعذيب.

المنهجية

يستند هذا التقرير إلى الشهادات التي جمعتها بعثة تحقيق ميدانية أوفدتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى مركز نجع حمادي في 12 و13 يناير 2010، وتشكلت من أحمد محجوب وإسحق إبراهيم. وقد زارت البعثة كلاً من مدينة نجع حمادي وقرية بهجورة وعزبة تركس، حيث حصلت على إفادات من شهود العيان، والمصابين، وأقارب الضحايا، ورجال الدين. كما اعتمد التقرير على مشاهدات الصحفي نادر شكري، والذي تواجد في نجع حمادي وبهجورة في الفترة من 7-9 يناير 2010. وأجرى باحثو المبادرة المصرية مقابلات عن طريق الهاتف مع بعض الشهود الذين لم تتمكن البعثة من لقائهم في نجع حمادي، وكذلك مع عدد من المصابين في اعتداءات 6 يناير، والذين يتلقون العلاج في مدينة سوهاج.
قامت المبادرة المصرية بحجب أسماء أغلب الشهود الذين حصلت على إفادات منهم، إما بناء على طلبهم أو حفاظاً على سلامتهم. بينما استخدمت الأسماء الحقيقية للقتلى والمصابين وأصحاب المحال التجارية التي تعرضت لاعتداءات تم إثباتها في محاضر رسمية. ويلتزم التقرير بعرض الأقوال كما جاءت على ألسنة الشهود، ما عدا التدخل أحياناً لاستخدام العربية الفصحى بدلاً من العامية.

فريق العمل

قام بكتابة هذا التقرير كل من إسحق إبراهيم وأحمد محجوب وحسام بهجت. وقدم رامي رؤوف الدعم البحثي إضافة إلى رصد تغطية وسائل الإعلام لأحداث نجع حمادي.

الفصل الأول: خلفية الأحداث

1. نجع حمادي وتداخل الدين والسياسة

لا يمكن فهم الأحداث التي شهدتها مدينة نجع حمادي والقرى المحيطة بها في يناير 2010 بمعزل عن التركيبة الدينية للمنطقة والتطورات التي شهدتها على مدى العقدين الماضيين ليس فقط من ناحية العلاقة بين المسلمين والمسحيين في المنطقة، وإنما أيضاً من ناحية العلاقة بين المؤسسة الدينية المسيحية والأقباط من جهة والمسئولين السياسيين وأجهزة الدولة من جهة أخرى.

يضم مركز نجع حمادي التابع لمحافظة قنا كلاً من مدينة نجع حمادي وعدد من الوحدات المحلية من أبرزها قرية بهجورة، والتي يمثل المسيحيون فيها نسبة تقترب من 40% من السكان وفقاً لمصادر كنسية. وتسيطر القبلية على قرى المركز نظراً لانتماء أغلب سكانها من المسلمين إلى قبائل العرب والهوارة والأشراف، بينما يسكن المدينة عائلات مختلفة يعمل أغلب أبنائها في الجهاز الإداري للدولة أو في المصنعين الكبيرين لإنتاج الألمونيوم والسكر. وتقدر مصادر كنسية نسبة المسيحيين في مركز نجع حمادي بنحو 20%، وترتفع النسبة إلى ما يقرب من 40% في مدينة نجع حمادي وحدها. ويتولى الرعاية الدينية لأقباط المركز الأنبا كيرلس أسقف مطرانية نجع حمادي وفرشوط وأبوتشت منذ عام 1977. وتوجد بالمدينة كنيستان هما مار يوحنا والسيدة العذراء، ومقر للمطرانية، ودير الأنبا بضابا على حدود المدينة.
وعلى الرغم من أن العلاقة بين مسيحيي مركز نجع حمادي ومسلميها تميزت في أغلب الأوقات بالتعايش المشترك، إلا أن العقدين الماضيين شهدا بعض الأحداث التي عكرت صفو هذا النمط. ووقع أسوأ هذه الأحداث في نهاية التسعينيات من القرن الماضي في خضم المواجهة بين الجماعات الإسلامية المسلحة والدولة المصرية، وهي المواجهات التي تضمنت هجمات واغتيالات شنها أعضاء هذه الجماعات واستهدفت الأقباط والسائحين ومسئولي الدولة. وكان نصيب نجع حمادي من هذه الاعتداءات حادثة إرهابية عنيفة وقعت في شهر مارس من عام 1997،  قام فيها ثلاثة من أفراد الجماعة الإسلامية بإطلاق الرصاص بطريقة عشوائية على أهالي عزبة كامل تكلا بقرية بهجورة، بعد فشلهم في إطلاق الرصاص على كنيسة الأنبا شنودة ونقطة الشرطة بالقرية بسبب كثافة الحراسة الأمنية حولهما. وقد أطلق المسلحون الرصاص على أشخاص تصادف وجودهم داخل محل ترزي قبطي قبل أن يواصلوا السير وإطلاق الرصاص على أشخاص يجلسون أمام منزلهم. وأسفرت العملية ـ طبقا لما أكدته مصادر كنسية لباحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ـ عن مصرع 13 شخصاً بينهم تسعة أقباط.
أما في الأعوام القليلة الماضية، فقد تواترت مؤشرات حول تصاعد التوتر الطائفي في المنطقة على خلفية التحول الديني. وكان أبرز هذه المؤشرات بيان صدر عن مطرانية نجع حمادي في ديسمبر 2006 بتوقيع الأنبا كيرلس يدين “الممارسات غير المسئولة والتي تضر بالوحدة الوطنية وتؤجج نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد والمتمثلة في قيام بعض العناصر السيئة باستقطاب الشباب الذي يمر بظروف مادية صعبة واقتصادية طاحنة والتحايل عليه بالطرق الشرعية وغير الشرعية للتخلي عن عقيدته وإشهار إسلامه. وقد تكرر ذلك حتى الآن مع شابين من بهجورة ونجع حمادي حيث يقيمان في منزل احد الأشخاص في منطقة الوزيري هناك.” وطالبت المطرانية  الجهات المسئولة بـ”بالتدخل الفوري لإيقاف ذلك العبث بأمن الوطن.”
غير أن أهم ملامح العلاقة بين المسلمين والأقباط في الأعوام العشرة الماضية تتمثل في الدور السياسي البارز لأسقفية نجع حمادي، والمشاركة الانتخابية المرتفعة لأقباطها، والتوترات السياسية المرتبطة بتلك المشاركة وبتأثيرها في نتائج الانتخابات التشريعية. وتشير المصادر في هذا الصدد إلى أن الأنبا كيرلس أدرك أن الأقباط يمثلون كتلة تصويتية مرجحة يقدرها البعض بنحو عشرين ألف صوت لهم حق التصويت لاختيار نائبي مجلس الشعب عن دائرة نجع حمادي. وأجمعت المصادر لباحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على أن تلك الكتلة التصويتية لعبت دوراً مهماً في انتزاع أحد مقعدي الدائرة من النائب عبد الرحيم الغول في انتخابات عام 2000، بعد ما يقرب من 30 عاما احتكر فيها العضو البارز في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم تمثيل الدائرة عن مقعد العمال والفلاحين، وذلك لسوء علاقة النائب بالكنيسة التي تتهمه بالتعصب ضد الأقباط، والتراخي في تلبية مطالبهم. وفي السنوات الخمس التي غاب فيها الغول عن مجلس الشعب، توطدت العلاقة بين الأنبا كيرلس واللواء عادل لبيب محافظ قنا السابق في الفترة من 1999 وحتى 2006، وازداد تأثير ونفوذ الأسقف الذي تمكن خلال هذه الفترة من الحصول على التصاريح اللازمة لاستكمال ترميم منشآت دير الأنبا بضابا وكنيسة العذراء بمدينة نجع حمادي. كما كان المحافظ السابق يحرص على المشاركة في الاحتفالات والأنشطة الشبابية التي كانت الكنيسة تقوم بتنظيمها.
واستمر هذا الدور السياسي البارز للأسقفية في الانتخابات البرلمانية التالية عام 2005، حيث قام الحزب الحاكم بترشيح عضو آخر عن مقعد العمال والفلاحين، بينما خاض عبد الرحيم الغول الانتخابات مستقلاً، ونجح في الحصول على أصوات تكفي لخوض جولة الإعادة أمام مرشح الحزب الحاكم. وتشير مصادر عديدة ومتطابقة إلى تحرشات قام بها أنصار النائب الغول ضد الأقباط في يوم انتخابات الإعادة الموافق 26 نوفمبر 2005، بهدف منعهم من الإدلاء بأصواتهم بعد أن أعلن الأسقف تأييده لمرشح الحزب الحاكم وحشد الأقباط للتصويت له. وفور إعلان نتيجة الانتخابات وفوز عبد الرحيم الغول بمقعد العمال، قام أنصار الغول بتنظيم تظاهرات حاشدة استهدفت المنازل والمحال التجارية المملوكة للأقباط وبعض الكنائس، خاصة في شوارع محمد حسني مبارك وبورسعيد والجمهورية، وقام المتظاهرون بطرق وتهشيم أبواب المحال والمنازل بالعصي والآلات الحديدية وترديد السباب والهتافات المعادية للمسيحية والأقباط وللأنبا كيرلس تحديداً. وفي قرية بهجورة قام أنصار نفس المرشح بالخروج في تجمعات ضخمة إلى المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة للأقباط وهي مناطق أبو عسل ونجع عيسي وشارع النقراشي، حيث قاموا بتهشيم أبواب المنازل وتوجيه السباب والهتافات العدائية ضد الأقباط.
وقد أشار بيان صادر عن مطرانية نجع حمادي بتوقيع الأسقف في 10 ديسمبر 2005 إلى هذه التحرشات، حيث أدان البيان “الأحداث المؤسفة التى وقعت يوم السبت 26/11/2005 والتى استهدفت النيل من الوحدة الوطنية وزعزعة الأمن والاستقرار بالاعتداء على ممتلكات المواطنين الأقباط وإرهابهم من قبل أنصار أحد المرشحين المستقلين في الانتخابات البرلمانية (الدائرة العاشرة)، كما تستنكر المطرانية الهتافات التى ازدرت الدين المسيحي والمسيحيين ومست الرموز الدينية. وتؤكد المطرانية أن تلك الممارسات الغير مسئولة لم ولن تجدي نفعاً فى النيل من ثوابت الأمة ونسيجها المترابط.” ووفقاً للمعلومات المتاحة للمبادرة المصرية، فإن أجهزة الدولة لم تقم بإجراء أي تحقيقات معلنة في التحرشات والاعتداءات الطائفية التي شهدتها تلك الانتخابات السابقة.
وفي عام 2006 تضمنت حركة تغيير المحافظين تعيين اللواء مجدي أيوب محافظاً لقنا، ليكون المحافظ القبطي الوحيد في مصر. غير أن المحافظ الجديد لم يظهر حماساً لتوثيق علاقته مع قادة الكنيسة وخاصة مع الأنبا كيرلس. وانعكس البرود في العلاقات على قرارات المحافظ الجديد الذي فضل أن يحافظ على مسافة ظاهرة بينه وبين قيادات الكنيسة.
إن استرجاع هذه الأحداث ـ فضلاً عن ضرورته في فهم الخلفية السياسية-الطائفية للمنطقة ـ يمثل أهمية بالغة لأن عدداً غير قليل من الشهود الذين تحدث إليهم باحثو المبادرة المصرية رجحوا وجود علاقة بين اعتداءات عيد الميلاد وبين انتخابات مجلس الشعب المقرر إجراؤها في خريف 2010.
فقد ورد في شهادة أحد شهود العيان الذين تواجدوا في مكان إطلاق النار عقب قداس عيد الميلاد، حين استطلع باحثو المبادرة المصرية رأيه في خلفية الاعتداءات:
“أنا مقيم في محافظة أخرى، لكن عائلتي من منطقة بهجورة. وصلت بهجورة قبل العيد بيومين وسمعت أخبار عن “هدية للنصارى في ليلة العيد”. وكان ماسمعته يدل على أن هناك شيء سوف يحدث لتفتيت القوة التصويتية للأقباط الذين يتبعون توجهات الأنبا كيرلس في إيبارشية نجع حمادي.”1


وذكر شاهد آخر من مدينة نجع حمادي تواجد أثناء إطلاق النار أن الحادث ربما يعود إلى أن “الكنيسة دخلت فى السياسة والأنبا كيرلس معروف أنه يملك أصوات المسيحيين.”2
كما ورد في شهادة أحد ساكني قرية بهجورة من الأقباط:


“الكراهية موجودة منذ فترة طويلة وليست وليدة اليوم، خاصة أن الأقباط لهم صوت مسموع ومؤثرين في السياسة. [أحد النواب] دائماً يصرح بكراهيته للمسيحيين وعلى خلاف مع الكنيسة… لدرجة أنه كان يردد شعارات ويحرض الناس ضد النائب الآخر لأنه وافق على تجديد كنيسة العذراء ودير الأنبا بضابا في نجع حمادي.”

وحين التقى باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالأنبا كيرلس في نجع حمادي بعد أسبوع من الاعتداءات، كرر الأنبا نفس الإشارات الغامضة إلى الخلفية السياسية والانتخابية للاعتداءات، رافضاً توضيح مدلول هذه الإشارات:
“الحادث إرهابي لأن مسيحيى نجع حمادي لهم وضع اجتماعي وسياسي، والموضوع يحتمل كل الاحتمالات، من الجائز أن يكون السبب لعبة سياسة خاصة أن الانتخابات على الأبواب وأصوات المسيحيين كتلة مؤثرة.”3

ومن ناحية أخرى فإن قراءة الظروف المحيطة بانتخابات 2005 تمثل أهمية قصوى في معرفة الدور الذي يبدو أن حمام الكموني ـ المتهم الأول بارتكاب اعتداءات 6 يناير 2010 ـ قد لعبه في هذه الانتخابات التي كان يعمل فيها لصالح النائب عبد الرحيم الغول.
فقد نشرت هالة المصري، المدونة والناشطة القبطية المقيمة في قنا، والتي شاركت في مراقبة انتخابات عام 2005، مقالاً على مدونتها في أعقاب اعتداءات 2010، جاء فيه العبارة التالية:
“…لا أنسى ما قام به حمام الكموني وأعوانه يوم الانتخابات النيابية فى الدورة الماضية حينما حاول تضييق الخناق على الأقباط حتى لا يخرجوا إلى الشوارع ولا يعطو أصواتهم لمرشح الحزب الوطني الذي استبعد الغول وقتها من قائمته. وكيف قام بتجريح وخدش حياء النساء القبطيات والإتيان بأفعال يعاقب عليها القانون. وكيف وأنه بعدما ظهرت النتيجة ونجح المرشح المستقل الغول قاد تظاهرة وحملة لترويع وتأديب الأقباط فى شوارع نجع حمادي.”4
كما أن جريدة الأهرام ـ القومية ـ أشارت إلى علامات الاستفهام التي تدور حول علاقة الكموني بالنائب الغول، بل ونشرت ثلاث صور فوتوغرافية مختلفة يظهر فيها الغول في تجمعات انتخابية وإلى جواره الكموني.5 ثم عادت نفس الجريدة في عدد لاحق لتنفي ما تردد من “شائعات” حول وجود أي علاقة بين الرجلين.6
وبينما تجدر الإشارة إلى أن البيان الصادر عن مكتب النائب العام بشأن إحالة المتهمين الثلاثة بارتكاب اعتداءات يناير 2010 تضمن إشارة إلى أنه “لم تسفر التحقيقات وتحريات الشرطة عن وجود محرضين على ارتكاب تلك الوقائع”، فإن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تؤكد على الضرورة الملحة لإجراء تحقيق شامل ومستقل في الظروف التي أدت إلى ارتكاب هذه الجرائم.

1- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

2- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

3- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع الأنبا كيرلس، أسقف نجع حمادي وتوابعها، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

4- هالة المصري، أيادي الإجرام الخفية في مجزرة الميلاد.

5- عبد الجواد علي وآخرين، “تضميد الجراح في نجع حمادي”، صحيفة الأهرام، 15 يناير 2010.

6- أحمد موسى، “النائب العام يعلن حقائق نجع حمادي”، صحيفة الأهرام، 17 يناير 2010.

2. أحداث فرشوط، نوفمبر 2009

بعد ساعات قليلة من وقوع اعتداءات نجع حمادي، أصدرت وزارة الداخلية بياناً مقتضباً بشأن الاعتداءات، جاءت فيه العبارة التالية: “هناك مؤشرات مبدئية لارتباط الحادث بتداعيات اتهام شاب مسيحى باغتصاب فتاة مسلمة بإحدى قرى المحافظة.” 7 ولم تفصح وزارة الداخلية في أي وقت عن مصدر هذه المؤشرات المبدئية التي ظهرت قبل تحديد المشتبه بهم أو تسليمهم لأنفسهم ـ وهو ما حدث في 8 يناير 2010 ـ أو بدء تحقيقات النيابة العامة معهم.
وفي البيان الصادر عن مكتب النائب العام في 16 يناير 2010 بشأن إحالة المتهمين إلى المحاكمة جاء أن التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة توصلت إلى أن الاعتداءات ارتكبتها “مجموعة من الخارجين على القانون الذين تجردوا من أية قيم أخلاقية ودينية واجتماعية بزعم تأثرهم بواقعة اغتصاب طفلة مسلمة بدائرة أحد المراكز المجاورة ومشاهدتهم للقطات مصورة لفتيات مسلمات في أوضاع مخلة وخادشة للحياء.”
وبينما لم تتضح حتى الآن أي معلومات بشأن مصدر وطبيعة اللقطات المصورة التي أشار إليها بيان النائب العام، فإن الرواية الأمنية والقضائية حتى الآن تربطان بين ارتكاب الاعتداءات وبين جريمة اغتصاب لطفلة في مركز فرشوط المجاور لنجع حمادي بمحافظة قنا (والتابع كنسياً لمطرانية نجع حمادي) وقعت في شهر نوفمبر 2009. كما أن مسئولي الحزب الحاكم وغيرهم من التنفيذيين يؤكدون على وجود نفس الصلة. وقد شكك عدد من أهالي نجع حمادي من الأقباط والمسلمين في هذه الرواية الرسمية، معتبرين أنها تهدف في الأساس إلى المساواة بين فاعلي الجريمتين، وتصوير حادث نجع حمادي على أنه جريمة فردية ـ وليس اعتداءً طائفياً ـ ارتكبها مجرم مسلم في مواجهة جريمة فردية أخرى ارتكبها مجرم قبطي.
وفي حين لا تتوفر لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية المعلومات والأدلة الكافية لتحديد دوافع ارتكاب جريمة نجع حمادي ـ خاصة وأن محاكمة المتهمين فيها لم تبدأ حتى وقت صدور هذا التقرير ـ فمن المؤكد أن الأحداث التي شهدتها فرشوط في نوفمبر 2009 واستجابة الأجهزة الأمنية والقانونية لتلك الأحداث لعبت دوراً في تصعيد أجواء التوتر الطائفي الذي انفجر ليلة عيد الميلاد.
كما أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ترى أن إطلاق النار الجماعي على الأقباط بهدف قتلهم لمجرد كونهم مسيحيين يجب أن يتم توصيفه والتعامل معه بوصفه اعتداءاً طائفياً في أسبابه وطبيعته، بصرف النظر عن المبرر الذي قد يسوقه مرتكبو هذه الجريمة لتبرير ارتكابها.
وتعود أحداث فرشوط إلى يوم 18 نوفمبر 2009، حين اتهمت أسرة مسلمة من قرية الشقيفي التابعة لمركز أبو تشت بمحافظة قنا شاباً مسيحياً يدعى جرجس بارومي جرجس (21 عاماً)، ويقطن بقرية الكوم الأحمر التابعة لمركز فرشوط، باغتصاب طفلتهم البالغة من العمر 12 عاماً، بعد إجبارها على الذهاب معه إلى أحد الحقول الزراعية المجاورة. وقد ألقت قوات الأمن القبض على المتهم في نفس اليوم، وتم التحقيق معه وحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق.
في اليوم التالي لتلقي بلاغ الأسرة المسلمة بشأن جريمة الاغتصاب شهد مركز فرشوط والقرى التابعة له، وبعض القرى التابعة لمركز أبو تشت المجاور له نذر توترات طائفية بدأت يوم الخميس 19 نوفمبر وتكثفت بحدة حتى انفجرت في الفترة ما بين 21 – 23 من الشهر ذاته.
ففي يوم 19 نوفمبر 2009، وأثناء عودة القس بنيامين نصحي، راعي كنيسة الملاك والأبناء شنودة ـ الواقعة بقرية الخوالد بمركز أبو تشت ـ إلى منزله بقرية القلاعية مستقلاً سيارته الخاصة وبصحبته أحد شمامسة الكنيسة ويدعى مرتضى جابر رزق الله، قامت مجموعة من الشباب يحملون عصياً وأسلحة بيضاء ونارية بإيقاف السيارة أمام قرية الشقيفى، التي تنتمي إليها أسرة الطفلة المسلمة. ووفقاً لرواية القس بنيامين لباحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن المهاجمين اعتدوا بالضرب على القس والشماس وهشموا زجاج السيارة رغم أن سيارة شرطة كانت تقف بجوار الشباب وأنه حاول الاستغاثة بها إلا أن قوات الشرطة لم تتحرك لنجدته. وأضاف القس أن الشماس تلقى بعدها العلاج بمستشفى أبو تشت من إصابة في الرأس وكدمة خلف الأذن، وأنه قام بتحرير محضر بالواقعة، وتم سحب السيارة إلى قسم الشرطة لمعاينتها وإثبات حالتها، إلا أنه قرر التنازل عن الشكوى صباح يوم 21 نوفمبر “خوفاً من البهدلة”، على حد قوله.8
وفي يوم الجمعة الموافق 20 نوفمبر طلبت أجهزة الأمن من أفراد 15 أسرة مسيحية من قرية الكوم الأحمر ـ محل إقامة المتهم بالاغتصاب ـ مغادرة القرية فوراً خوفاً على حياتهم. وأكدت مصادر كنسية للمبادرة المصرية أن بعض أفراد هذه الأسر توجه إلى دير الأنبا بضابا بنجع حمادي للمبيت فيه، بينما لجأ آخرون للإقامة عند أقاربهم في قرى ومدن أخرى. وأشارت المصادر أن عدداً من الأسر عاد إلى القرية مع هدوء الأوضاع في بداية ديسمبر، ليس من بينهم أسرة المتهم.
وفي فجر يوم السبت 21 نوفمبر، نشبت حرائق في ثلاثة محال مملوكة لمسيحيين في مدينة فرشوط قرابة الساعة الثانية والنصف صباحاً. وقام كهنة الكنيسة ـ صباح السبت ـ بإرسال تحذيرات للمسيحيين بعدم فتح المحال التجارية والصيدليات لتخوفهم من قيام بعض المسلمين بالتحرش بهم والاعتداء على ممتلكاتهم.
وفي صباح نفس اليوم تجمع عدد كبير من المسلمين، خاصة من قبيلة الهوارة التي تنتمي إليها أسرة الطفلة المغتصبة أمام مركز الشرطة في مدينة فرشوط لمطالبة الجهات الأمنية بتسليم الشاب المسيحي لهم لقتله، وهو ما رفضته الجهات الأمنية التي أكدت أنها ما زالت في انتظار تقرير الطب الشرعي. ونتيجة للتجمهر خارج المركز، قرر قاضي المعارضات بمحكمة جنايات فرشوط تحويل التحقيقات إلى محكمة جنايات قنا، والتي حددت في وقت لاحق جلسة 17 يناير 2010 موعداً لبدء نظر القضية، وتم تأجيلها إلي جلسة 17 فبراير القادم لمناقشة المجني عليها ووالديها والأطباء الشرعيين.
ووفقاً لروايات الشهود، فقد تزايد عدد المتجمهرين أمام مركز الشرطة يوم 21 نوفمبر ليصل إلى عدة آلاف من المسلمين من قرية الشقيفي والقرى المجاورة لها، إضافة إلى عدد كبير من طلبة المعهد الأزهري بفرشوط. ثم تحرك المتجمهرون في مجموعات قامت بالاعتداء على ممتلكات المسيحيين وتكسير الأبواب المغلقة للمحال التجارية وحرقها بعد نهب محتويتها. وقد بدأت هذه الاعتداءات في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً واستمرت حتى العاشرة مساء دون توقف، حيث كانت المجموعات تنتقل من منطقة إلى أخرى. وأكد عدد من الضحايا وشهود العيان أن الأجهزة الأمنية التي وصلت بعد حوالي ساعة ونصف من بدء الاعتداءات لم تشتبك مع القائمين بها طيلة عدة ساعات. كما تلقت المبادرة المصرية صوراً ومقاطع فيديو من مطرانية نجع حمادي وبعض المواقع الإلكترونية القبطية تصور اعتداءات تمت بالرغم من تواجد بعض القوات الأمنية بالقرب من منطقة الأحداث.
وفرضت قوات الأمن سيطرتها مساء يوم السبت، بعد الاستعانة بقوات إضافية من محافظات سوهاج وأسيوط. وأفاد عدد من المصادر لباحثي المبادرة المصرية أن قوات الأمن ألقت القبض على قرابة 70 من المعتدين وإحالتهم إلى النيابة التي أمرت بتسليم 15 قاصراً منهم لذويهم وإخلاء سبيل ثلاثة وحبس 52 آخرين لمدة 15 يوم على ذمة التحقيقات، ووجهت إليهم تهم إثارة الشغب والتجمهر والحرق العمد وإتلاف منشآت خاصة. وخلال شهري ديسمبر ويناير تم إخلاء سبيل عدد من المحتجزين في دفعات متفرقة بينما لا يزال عدد غير محدد منهم رهن الاحتجاز حتى وقت صدور هذا التقرير، في غياب قرار بإحالتهم للمحاكمة.
وقد قام الضحايا من مدينة فرشوط بتقديم بلاغ إلى المحامي العام بقنا، الذي أرسل فريقاً من النيابة العامة والبحث الجنائي ومجلس المدينة لمعاينة المحلات التي تضررت من الاعتداءات.
كما شهدت عدة قرى أخرى تتبع مركز فرشوط اعتداءات على ممتلكات الأقباط، تضمنت حرق واجهة صيدلية بقرية القارة في فجر الأحد 22 نوفمبر، واشتباكات بين مسلمين وأقباط في قرية العراكي في مساء نفس اليوم، بعد أن قام بعض المسلمين بإشعال النيران في أراضي زراعية يملكها قبطي. وشهدت قرية القبيبي إشعال النار في حوش لمواطن مسيحي لم يسفر عن خسائر.
وانتقلت حمى الاعتداءات إلى قرية أبو شوشة التابعة لمركز أبو تشت المجاور، والتي تبعد نحو 30 كيلومتر عن قرية الشقيفي. فقد نشب حريق في صيدلية وثلاث محال تجارية مملوكة للأقباط هناك في فجر يوم 23 نوفمبر، وفقاً لإفادة القس بولس نظير، كاهن كنيسة أبو شوشة. وفى ظهر اليوم نفسه قامت مجموعات من المسلمين بحرق منازل ومحلات وممتلكات مملوكة لمسيحيين بقرية الكوم الأحمر.
وفي مقابلة تليفونية مع باحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في نهاية نوفمبر2009، أكد الأنبا كيرلس أسقف نجع حمادي أنه كان قد حذر الجهات الأمنية قبل وقوع اعتداءات 21 نوفمبر، وطالبهم بتكثيف التواجد الأمني في المنطقة خشية وقوع أعمال انتقامية، خاصة في ظل وجود مؤشرات للتصاعد والانفجار. وأضاف الأسقف أن الكنيسة قامت بالاتصال باللواء مجدي أيوب محافظ قنا في أعقاب الاعتداءات لطلب دفع تعويضات للمضارين، إلا أنه رفض وأحال المسألة إلى مدير الأمن الذي لم يبد أية استجابة. وقدرت مصادر كنسية قيمة الخسائر في مركزي فرشوط وأبو تشت بما يزيد على أربعة ملايين و390 ألف جنيه، حيث تم الاعتداء على خمس صيدليات وحافلة رحلات وسيارة نقل وأكثر من خمسين متجراً ومقر جمعية قبطية. وقد حصلت المبادرة المصرية على كشف تفصيلي أعدته الكنيسة عن حجم الخسائر.
وفي الأيام التالية للاعتداءات عقدت الأجهزة الأمنية جلسات مصغرة بين العائلات في قرى مركزي فرشوط وأبو تشت للتنبيه عليهم بالتزام الهدوء وعدم الاعتداء على أرواح وممتلكات المسيحيين، وعدم الإنصات إلى أي فكر تخريبي، على حد تعبير أحد المشاركين في هذه الجلسات لباحثي المبادرة المصرية. وطلبت الأجهزة الأمنية من الكنيسة والضحايا عقد جلسة صلح موسعة ورسمية على مستوى مركز فرشوط بأكمله، وهو ما رفضته الكنيسة التي طالبت بتعويض المتضررين أولاً قبل تنظيم جلسة الصلح.
وأكدت مصادر لباحثي المبادرة المصرية خلال شهر ديسمبر 2009 على أن الأنبا كيرلس تلقى وعوداً عن طريق المقر البابوي بالقاهرة بصرف التعويضات قبل عيد الميلاد. إلا أن التعويضات لم تصرف إلا في يوم 11 يناير 2010، بعد وقوع اعتداءات نجع حمادي ليلة عيد الميلاد، حيث قامت لجنة من وزارة التنمية المحلية بصرف تعويضات للمضارين من أحداث فرشوط وأبو تشت بلغت قيمتها 335 ألف جنيه، منها 250 ألف جنيه من وزارة التنمية المحلية، و85 ألفاً من نقابة الصيادلة. وتراوحت المبالغ المستحقة ما بين 1200 جنيه حتى 30 ألفاً وفقاً لقيمة التلفيات، حيث بلغت المحال المضارة حسب تقديرات النيابة العامة 42 محلاً وصيدلية ومكتبة، وبلغ عدد المضارين 42 شخصاً.

7- بيان أمني بشأن حادث إطلاق النار على بعض المسيحيين بمدينة نجع حمادي، وزارة الداخلية، 7 يناير 2010.

8- مقابلة تليفونية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع القس بنيامين نصحي، ديسمبر 2009.

الفصل الثاني: الإشارات المبكرة..هل كان يمكن توقع اعتداءات نجع حمادي؟

في يوم 14 يناير 2010، وصل إلى نجع حمادي وفد من أعضاء مجلس الشعب لزيارة المدينة بعد الاعتداء على أقباطها وأداء واجب العزاء في ضحايا الاعتداءات. وقد عقد الوفد اجتماعاً مع اللواء عدلي فايد، مساعد وزير الداخلية للأمن العام وعدد من القيادات الأمنية وممثلي الإعلام في نادي شرطة نجع حمادي، أكد فيه مساعد الوزير أن الأجهزة الأمنية “لم تكن لديها معلومات عن وقوع حادث نجع حمادي، وأنها كانت كفيلة بمنعه من الأساس في حال توافر معلومات.”9
إن المعلومات والشهادات والأدلة المتوافرة لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تدفعنا لاستنتاج أن هذا التصريح يخالف الحقيقة، وأن أجهزة الأمن المحلية بل والمركزية كان أمامها دلائل متواترة ومتطابقة تشير إلى أن المنطقة قد تشهد أحداث عنف في ليلة عيد الميلاد، وبالتالي فإن هذه الأجهزة فشلت في التنبؤ بوقوع جرائم سواء كانت تعلم أو كان ينبغي أن تعلم بأن وقوعها مرجح في ذات الوقت والمكان اللذين وقعت فيهما تلك الجرائم.
بعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التقت كاهناً قبطياً بمطرانية نجع حمادي ـ طلب عدم ذكر اسمه ـ أفاد بالتالي:
” الأنبا كيرلس عقد ‏اجتماعاً‏ ‏مع‏ ‏كهنة‏ ‏الإيبراشية‏ ‏يوم‏ 4 ‏يناير‏ 2010 ‏وطلب‏ ‏منهم‏ ‏أن‏ ‏يتم‏ ‏    إنهاء‏ ‏صلاة‏ ‏قداس‏ ‏العيد‏ ‏مبكرا‏ًًًً ‏لأنه يشعر بالقلق والخوف من حدوث اشتباكات أو    مشاحنات عقب خروج الكنيسة.”10
وقد ورد ذكر هذا الاجتماع الذي عقده الأنبا بالتحديد في عدد من الشهادات الأخرى التي جمعها باحثو المبادرة المصرية من مصادر مختلفة في كل من مدينة نجع حمادي، وبهجورة، وفرشوط، وغيرها من الكنائس التابعة للمطرانية. كما ذكر مواطن مسيحي آخر من قرية بهجورة لباحثي المبادرة المصرية أنه تلقى نفس التنبيهات من أحد الكهنة:


“الأنبا كيرلس أعطى تعليمات إلى الكهنة بإنهاء الصلوات مبكراً، وهم بدورهم نقلوا هذه التعليمات إلى شعب الكنيسة. وحتى في ليلة رأس السنة على سبيل المثال خرجت الكنيسة الساعة 10.30 مساء رغم أنها في المعتاد تنتهي من الصلوات بعد منتصف الليل. في ليلة العيد الكنيسة أيضاً خرجت بدري على أن يكون إفطار العيد بعد الساعة الثانية عشر كما هو مقرر طقسياً.”11

وهي نفس المعلومات التي أكدها شاهد آخر في إفادته لبعثة المبادرة المصرية:
“وصلت البلد قبل العيد بيومين وسمعت الشائعات، وعرفت أن بعض الأهالي قرروا الاحتفال بالعيد عند أقاربهم في قنا وسوهاج بعيداً عن المشاكل، لكن الغالبية ذهبت كالمعتاد إلى كنيسة مار يوحنا بمدينة نجع حمادي حيث يترأس الصلاة الأنبا كيرلس، ويأتي إليها كبار المسئولين المسلمين للتهنئة بالعيد. وفي الكنيسة كانت الشائعات أكثر، لكن الذي أكد لي أنها مجرد شائعات أنه رغم وقوع حادث فرشوط، ورغم انتشار شائعة أن “النصارى ستأتيهم هدية في عيد الميلاد” والتحذيرات الأمنية فإن الحياة كانت طبيعية جداً في نجع حمادي ولم يظهر أي عسكري أمام المطرانية أو الكنائس الموجودة في المدينة مما جعلني أعتقد أنها مجرد شائعات.”12
ومنذ وقوع الاعتداءات مساء الأربعاء 6 يناير وحتى مساء يوم السبت 9 يناير، أجرى الأنبا كيرلس عشرات المقابلات مع وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، أكد فيها أنه تلقى تهديدات قبل العيد بأن أحداث عنف ستقع وأنها ستستهدفه شخصياً أو الأقباط بشكل عام. وقد حضر نادر شكري، الصحفي بجريدة (وطني)، لقاءً صحفياً عقده الأسقف في مقر المطرانية مع عدد من الصحفيين الذين وصلوا إلى نجع حمادي صباح يوم الجمعة 8 يناير لتغطية ردود الأفعال على الاغتيالات وأحداث العنف التالية لها. وقال نادر في إفادته للمبادرة المصرية:


“..وصلت نجع حمادي مساء الخميس. وفي صباح الجمعة بدأت وفود الصحفيين في الوصول وتحدث إليهم الأنبا كيرلس وأكد أنه كان يتوقع الأحداث، وأن الأمن قصر في توفير الحماية للكنيسة، ورفض ربط الاعتداءات بأحداث فرشوط لأن الصعايدة من عادتهم أخذ الثأر بأنفسهم وليس استئجار آخرين كما أن الكموني [المشتبه فيه وقتها] ليس متديناَ.”13

ولعل أهم الشهادات على الإطلاق حول الأجواء التي سادت قبل وقوع الاعتداءات، وحول حقيقة كونها فاجأت أجهزة الأمن، هي شهادة باكينام عامر، الصحفية بجريدة (المصري اليوم – الطبعة الإنجليزية)، والتي وصلت إلى مدينة نجع حمادي قبل يوم من وقوع الاعتداءات، وحضرت قداس الميلاد في كنيسة مار يوحنا التي وقع إطلاق النار على مقربة منها. وقد قالت باكينام في مقابلة مع باحثي المبادرة المصرية:
“كانت نيتي أن أذهب إلى فرشوط لحضور القداس هناك والكتابة عن أجواء التوتر والخوف التي يعيش فيها الأقباط هناك بسبب أحداث العنف [في نوفمبر 2009]. ولكني عندما ذهبت لفرشوط قال لي القس أليشع، كاهن كنيسة الملاك بفرشوط، أن الأنبا كيرلس تلقى تهديدات عن أحداث عنف ليلة عيد الميلاد، وأنه إن كان سيحدث شيء فسيحدث في نجع حمادي وليس فرشوط. عندما ذهبت إلى نجع حمادي يوم 6 يناير التقيت بالأنبا كيرلس قبل القداس وأخبرني بأنه سيقدم موعد القداس لإنهائه مبكراً خوفاً من وقوع اعتداءات.”14
وقبل ساعات من وقوع الاعتداءات، أرسلت باكينام عامر من نجع حمادي إلى مكتب صحيفتها بالقاهرة موضوعاً بعنوان “ظلال العنف والتهجير تخيم على الأعياد المسيحية في صعيد مصر”، سجلت فيه مشاعر القلق والترقب التي عاشها سكان مدينة فرشوط قبل يوم من وقوع الاعتداءات في مدينة نجع حمادي المجاورة لها. وحسب تقرير باكينام فإن سيدة واحدة كانت تصلي بكنيسة فرشوط بخلاف الكاهن، وحين سألت الصحفية عن سر خلو أكبر كنيسة في فرشوط من المصلين رغم أن تعداد الأقباط في القرية يصل إلى 15 ألف نسمة، أجابها أحد سكان المدينة بأن

“المسيحيين خائفون بسبب الكلام عن [وقوع] عنف ضدهم..وأن هناك شائعات بأن المسيحيين تلقوا تهديدات من مسلمين متشددين.”15 وفي نفس التقرير قال القس أليشع للصحفية “إن المسيحيين يشعرون بعدم الأمان في كل مكان الآن، ويتوقعون العنف في أي لحظة.” وفي إضافة ذات دلالة حول متابعة أجهزة الأمن للتطورات، قال القس إن أجهزة الأمن تحدثت معه بشأن شائعات انتشرت بعد الاعتداءات على أملاك الأقباط بفرشوط حول كون المسيحيين يخططون لهجمات انتقامية، بما في ذلك حرق مسجد، ولكن القس نفاها.

وفي التقرير التالي لباكينام عامر ذكرت الصحفية أن بعض الأقباط الذين تحدثت إليهم في صباح يوم الأربعاء في مدينة نجع حمادي قالوا لها إنهم لن يذهبوا إلى القداس في الكنيسة “لأنهم يخشون على حياتهم”، وأضافت امرأة من فرشوط إنها ستكتفي بمشاهدة موعظة البابا شنودة على التلفزيون.16 كما ورد في التقرير أن الأنبا كيرلس قال للصحفية قبل القداس إنه قلق بشأن وقوع عنف في ليلة عيد الميلاد.

ولم يستطع باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن يتأكدوا مما إذا كان الأسقف قد أبلغ الأمن بشكل رسمي بالتهديدات التي تلقاها هو وغيره من أقباط نجع حمادي قبل وقوع الاعتداءات أم لا، خاصة وأن الأسقف تراجع منذ مساء السبت الموافق 9 يناير عن الكثير من تصريحاته التي كان قد أطلقها للإعلام، بشأن توقعه للحادث والتقصير الأمني بشأنه. وعندما سألته بعثة المبادرة المصرية عن هذه المسألة أثناء زيارة لمقر المطرانية رفض الإدلاء بتفاصيل واكتفى بالقول:
“أنا من واجبي تهدئة الأوضاع لتجنب حدوث خسائر أخرى لأن عندي شهداء ومصابين ومقبوض عليهم، وكلهم يأتون إلى الكنيسة ويطالبوني بالتدخل. اللي إيده في الميه مش زى اللي إيده في النار. نحن نطالب بالعدالة والقصاص من الجناة وأن يأخذوا العقوبة الرادعة لمنع تكرار مثل هذه الإحداث.”17
غير أن المؤكد هو أن الظروف التي أحاطت بمنطقة نجع حمادي وفرشوط في الأيام والأسابيع السابقة على وقوع جرائم ليلة عيد الميلاد كانت على درجة من الوضوح والتواتر كفيلة بلفت انتباه أجهزة الأمن على أقل تقدير. وهو ما يجعل التحقيق في عدم قدرة أجهزة الأمن على توقع تلك الجرائم والاستعداد لها واجباً ضرورياً.

9- حماده عاشور، “مساعد وزير الداخلية ينفي علم الأمن المسبق بوقوع مذبحة نجع حمادي..والغول يتهم الإعلام بتضخيم الحادث”، صحيفة الدستور، 16 يناير 2010.

10 -مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كاهن بمطرانية نجع حمادي، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

11- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

12- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا. 13- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع نادر شكري، 11 يناير 2010، القاهرة.

13- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع نادر شكري، 11 يناير 2010، القاهرة.

14- مقابلة تليفونية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع باكينام عامر، 19 يناير 2010.

15- Pakinam Amer, “Shadow of violence, displacement looms over Christian holidays in Upper Egypt,” Al-Masry Al-Youm, 7 January, 2010.

16-  Pakinam Amer, “Copts in wrath following Egypt’s bloodiest Christmas,” Al-Masry Al-Youm, 7 January, 2010.

17- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع الأنبا كيرلس، أسقف نجع حمادي وتوابعها، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

الفصل الثالث: جريمة ليلة العيد…هل كان يمكن منع اعتداءات نجع حمادي؟

في ضوء التهديدات وأجواء الحذر التي خيمت على نجع حمادي والقرى المجاورة لها، والتي تعرض لها الفصل السابق بالتفصيل، التزم كهنة كنائس نجع حمادي وتوابعها بتغيير موعد إنهاء قداس ليلة عيد الميلاد، لينتهي بعد العاشرة مساء بقليل وليس في منتصف الليل كما هو المعتاد. غير أن مغادرة أغلب الأسر لكنائس المدينة عقب انتهاء القداس، لم يمنع الجناة من تنفيذ هجومهم على من تبقى من تجمعات للشباب القبطي بجوار الكنائس.
ووفقاً للمعلومات الرسمية وإفادات شهود العيان، فقد ارتكب الجريمة ثلاثة أفراد، قالت وزارة الداخلية في بيان رسمي لها إنهم سلموا أنفسهم للشرطة في 8 يناير بعد محاصرة منطقة اختبائهم، والمتهمون هم محمد أحمد محمد حسين (وشهرته حمام الكموني)، الذي تولى قيادة السيارة وإطلاق النيران على تجمعات الأقباط، بينما اقتصر دور المتهمين الآخرين ـ قرشي أبو الحجاج محمد علي وهنداوي محمد سيد حسن ـ على مساعدته في تنفيذ الجريمة. حيث انطلقت السيارة التى يركبها الجناة في شارع بورسعيد من ناحية كورنيش النيل، ثم أطلق المتهم الأول النيران على تجمع من الشباب على مقربة من مقر مطرانية الأقباط، وبعدها واصل القيادة وأطلق النار على تجمع آخر عند تقاطع شارع بورسعيد مع شارع 30 مارس والذي تقع في بدايته كنيسة السيدة العذراء، وبعدها توجهت السيارة إلى طريق مصر- أسوان الزراعي المتاخم للمدينة، حيث أوقف المتهمون سيارة أجرة على مقربة من دير الأنبا بضابا وتم إنزال السائق المسلم ثم أطلقت النيران على ركابها.
وأسفر الهجوم عن مقتل سبعة أشخاص من بينهم مساعد شرطة مسلم كان قد أنهى خدمته في ذلك اليوم ويدعى أيمن صادق هاشم (28 عاماً)، فضلاً عن ستة من الأقباط تتراوح أعمارهم بين 17 و29 عام وهم: رفيق رفعت وليم، وأبانوب كمال ناشد، وأيمن زكريا لوقا، وبولا عاطف يسى، وبشوي فريد لبيب، ومينا حلمي سعيد. كما نتج عن الهجوم إصابة تسعة من الأقباط هم: إبرام نبيل يوسف، وكيرلس وجيه مصري، ووجدي شنودة فتحي، ورامي رسمي عجيب، وأبانوب نشأت سريد، وجوزيف صموئيل باشا، وإسحاق عادل تادرس، ومايكل صلاح راسم، وشنودة منير شهدي.
شنودة منير شهدي (20 عاماً) أصيب برصاصتين في الكتف والذراع، تحدث إلى باحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من داخل مستشفى سوهاج عبر الهاتف:
“يوم العيد كنت واقف أمام شركة لوكاس وكان أمامي الشهيدين بولا وأبانوب، على بعد 10 أو 15 متر من المطرانية، وفجأة سمعت صوت الرصاص، بالكاد التفت فأصبت برصاصة في كتفي الأيمن خرجت من جسدي، وأصبت برصاصة أخرى اخترقت الجانب الأيمن من الذراع وخرجت أيضا بسبب قرب المسافة بيني وبين مصدر الطلقات الذي لم أتمكن من رؤيته. ولم يكن هناك أي تواجد أمني والحادث جرى في دقائق. وحتى الإسعاف لم تصل فحملني الأصدقاء إلى مستشفى نجع حمادي وهناك فوجئت بممرضة توقع الكشف عليّ بدلاً من الطبيب، لدرجة أنها أمرتني بالاستلقاء لتخييط الجروح لكني رفضت وطلبت طبيباً فلم أجد أحداً .. حتى نقلت إلى مستشفى سوهاج العام في سيارة إسعاف وقالت لي الممرضة “دي إمكانياتنا”. وفي مستشفى سوهاج بدأ علاجي لكنني حتى الآن لا استطيع تحريك يدي اليمنى، والطبيب لم يخبرني بعد بموعد الخروج لكنه شدد على ضرورة مواصلة العلاج الطبيعي في البيت لفترة حتى أتمكن من استخدام يدي بصورة طبيعية بعدها. وأنا الآن أدفع نفقات الدواء والمسلتزمات التي يتطلبها علاجي من جيبي رغم وجودي في مستشفى عام.”18
وذكرت والدة المصاب كيرلس وجيه مصري (16 عاماًً)، والطالب في المرحلة الثانوية، كيف أصيب ولدها بالرصاص أثناء وقوفه مع بعض الأصدقاء أمام مطرانية نجع حمادي عقب انتهاء مراسم العيد:
“عرفت من الأهالي أن ولدي أصيب بأعيرة نارية، وكانت هناك حالة من الهرج والفزع.  أصدقاء كيرلس نقلوه لمستشفى نجع حمادي العام ومن هناك تم تحويله في سيارة إسعاف إلى مستشفى سوهاج العام. أصيب كيرلس برصاصة واحدة اخترقت الذراع الأيمن وخرجت من الجهة المقابلة بسبب قرب مصدر الرصاص. أما الذراع الأيسر فقد تسببت الرصاصتان في تهتك شديد بالجلد وكسور بعظام الذراع وإصابات مختلفة في الأعصاب . والأطباء قالوا إن علاج كيرلس سوف يستمر لفترة طويلة في المستشفى وأعطوني تقريرا طبيا لكي أسلمه للمدرسة .. ووجدت في التقرير كلاماً أثار قلقي خاصة أنني لم أكن أعلم بموضوع الإصابة في أعصاب الذراع الأيسر .. والمفترض أن يبدأ الأطباء علاج جلد الذراع أولا ثم تجبير العظام وبعدها قياس استجابة الأعصاب لمعرفة حجم الضرر بدقة أكبر .. وربنا يستر.”19

ويعاني مصاب آخر هو أبانوب نشأت سريد من إصابة بالغة:
“كنت أمام المطرانية أستعد للذهاب إلى المنزل لحضور أول إفطار بعد الساعة الثانية عشرة، وفجأة سمعت صوت ضرب نار وأصبت برصاصة اخترقت ظهري ووصلت إلى الحجاب الحاجز واخترقته، فسقطت على وجهي ونقلتني سيارة إسعاف إلى مستشفى نجع حمادي العام أولاً ومنها إلى مستشفى سوهاج لسوء حالتي ووجود احتمالية لتضرر الطحال من الرصاصة، حيث أن النزيف لم يتوقف حتى وصلت مستشفى سوهاج. وهناك أجريت عملية جراحية عاجلة لإخراج الرصاصة من تجويف البطن. لكن الأطباء لم يحددوا مدة العلاج اللازمة داخل المستشفى.”20
والتقت بعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعدد من أهالي الضحايا الذين قتلوا في الأحداث. وكان من بين هؤلاء سامح صلاح، الذي فقد صديقه وزوج شقيقته رفيق رفعت في الجريمة التي تركت آثاراً واضحة عليه. كان سامح في طريقه إلى كنيسة مار يوحنا في ليلة عيد الميلاد بصحبة رفيق. قبل باب الكنيسة افترقا لدقائق معدودة، حيث ذهب سامح ليحيي أصدقاءه بينما أصيب رفيق بست رصاصات أودت بحياته. لا يستخدم سامح إلا لفظ (الشهداء) في الإشارة إلى ضحايا جريمة ليلة الميلاد، مثل غيره من أقباط نجع حمادي:
“كلنا بنحسد الشهداء. خلصوا من الذل اللي احنا عايشينه، وكل نقطة دم نزلت ربنا عارف قدرها، والدم ده مارحش هدر. واللي ماتوا ربنا هو اللي اختارهم لانهم أولاده واحتضنهم قبل ما الرصاص يحضنهم .. الرب ريحهم من عيشة الذل اللي احنا عايشينها هنا .. خلص من البهدلة واستريح … الرصاص اختار أحسن واحد فينا .. لأ مش الرصاص دا الرب نفسه اللي اختار رفيق .. حب يريحه من القرف اللي بنشوفه واحتضنه.”21


أما كيرلس زكريا، الذي فقد شقيقه أيمن واثنين من أصدقائه ليلة عيد الميلاد، فيقول:


“يوم الحادثة أنا كنت في بهجورة، وعرفت أن سيدنا [الأنبا كيرلس] حذر من احتمال وقوع “شيء سيء” للأقباط أثناء العيد، وأنه أبلغ أجهزة الأمن التي طالبته بدورها بتوخي الحذر وإنهاء الطقوس سريعا. وانطلقت من بهجورة والتقيت شقيقي أيمن وذهبنا إلى الكنيسة في شارع 30 مارس، فدخل أيمن الكنيسة وأنا بقيت مع أصحابي بولا عاطف وأبانوب كمال أمام شركة لوكاس بالشارع العام. وبينما نتحدث فوجئت بحمام الكموني يقود سيارة ويقترب ناحيتنا وفجأة اطلق الكموني النار من سلاح آلي غريب الشكل باتجاهنا، فأصيب أبانوب وبولا واحتميت انا خلف إحدى السيارات المتوقفة. الكموني كان يقود السيارة منفردا بيد ويمسك السلاح باليد الأخرى. كان مش خايف من حاجة وبيتحرك براحته وبيضرب الرصاص على أي حد جنب أو قدام الكنيسة. بعد دقائق جاء روماني ميلاد صديق أخي ليخبرني أن أيمن أصيب في إطلاق نار أمام الكنيسة على بعد نحو 50 مترا من مكاني، فذهبت إلى هناك لأجد أخي فاقدا الوعي، وأخبرني الأصدقاء أنه أصيب في ذراعه فقط وفقد الوعي من الصدمة والنزيف، ولم أكن أعرف أن الرصاصة نفذت من ذراعه إلى صدره، فحملناه على موتوسيكل وانطلقنا إلى المستشفى وهناك شاهدت باقي الضحايا ينزفون حتى الموت، حيث لا توجد إمكانيات إطلاقا. ففي الاستقبال والطوارئ كان هناك ثمانية أطباء يتناوبون على سماعة طبية واحدة، ولم نجد جهاز صدمات كهربية لإنقاذ بعض الشهداء من الموت فضلاً عن عدم توافر أكياس الدم في المستشفى. وبعد قليل عرفت أن أخي قد مات، وقالوا لنا أن ننتظر الطبيب الشرعي الذي وصل إلى المستشفى قادماً من قنا في العاشرة والنصف من صباح اليوم التالي للحادث أي بعد أكثر من 13 ساعة رغم أن الطريق من قنا إلى نجع حمادي لا يتجاوز 45 دقيقة بالسيارة.”22

وجاءت رواية شاهد آخر متطابقة:
“يوم الأربعاء كانت الأمور هادئة وعادية لكن لم تكن القوة الأمنية كافية في ليلة يفترض أنها عيد وفي ظل جو مشحون منذ أحداث فرشوط. حيث تواجد أربعة أو خمسة عساكر فقط وهو عدد غير كاف ويقل عن الأعداد التى كانت متواجدة فى الأعوام السابقة. لاحظ المصلون أن أغلبية القيادات التنفيذية والمسئولين غائبين عن الصلاة على غير العادة، حيث لم تحضر القيادات الأمنية والتنفيذية مراسم الصلاة واقتصر وجود بعض النواب على السلام على الأسقف فى دقائق ثم مغادرة الكنيسة. وانتهى القداس في كنيسة مار يوحنا الحبيب التي يصلي بها الأنبا كيرلس في تمام العاشرة والنصف، وفي وقت ما بين 11.15 و 11.30 مساء سمعنا ضرب نار فطلعنا على الشارع وجدنا على بعد 50 متر بيشوي فرحات ومعه اثنان من أصحابه في الأرض بجوار مقر المطرانية، ثم وجدنا قتيلاً آخر أمام محل الأحمدي بشارع 30 مارس. لم يكن هناك أمن فى الشارع وجاءت الاسعاف بعد حوالي ربع ساعة ثم جاءت مدرعة وقفت بالشارع.”23


وتلقى باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية نفس الإفادة بشأن الوجود الأمني الضعيف من شاهد آخر شارك في قداس مار يوحنا:
“الأمن ليلة العيد كان أقل من الطبيعي. كانت قوات الآمن يتكثف وجودها أثناء قداس العيد وأول يوم لحماية المسيحيين، خاصة أن بعض الشباب ينتظر خارج الكنائس للتحرش بالخارجين من الصلاة أو معاكسة البنات. وسمعنا أن هناك حالة من الخوف لدى الأنبا كيرلس وأنه نبه على الآباء الكهنة بخروج الكنيسة في ساعة مبكرة لا تجاوز العاشرة مساء بخلاف الأعياد السابقة. لم تكن هناك سيارت أمنية بجوار الكنائس واقتصر الأمر على وجود عدد من أفراد الحراسة العادية.”24


كان من الملفت في جميع شهادات شهود العيان الذين تواجدوا في مناطق إطلاق النار ليلة العيد كيف تكررت في إفاداتهم الإشارة إلى الوجود الأمني الهزيل أمام الكنائس في ليلة العيد، وفي منطقة تغلي على نيران توترات طائفية وتتواتر فيها التهديدات بالاعتداء على الأقباط. غير أن مساعد وزير الداخلية للأمن العام اللواء عدلي فايد رفض التسليم بوجود أي تقاعس أمني في تأمين الكنائس، خلال لقائه بوفد برلماني في نجع حمادي يوم 14 يناير 2010، مؤكداً “أنه جرى تأمين دور العبادة أثناء احتفال الأقباط بعيد الميلاد ليس في نجع حمادي وحدها بل في كل محافظات الجمهورية ومدنها، وهو النظام المتبع في تعزيز خدمات الحراسة على جميع دور العبادة أثناء الاحتفالات الإسلامية والقبطية.”25 ودلل مساعد الوزير على شدة الحراسة الأمنية على الكنائس بالتذكير بأن الحادث وقع في الشارع وبعيداً عن دور العبادة.
غير أن جميع شهادات شهود العيان، والمعاينة التي أجراها باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لأماكن إطلاق النار تشير بوضوح إلى أن إطلاق النار في مواضعه الثلاثة تم على مقربة أمتار من كنيستين ودير قبطي. كما أن الوجود الأمني أمام هذه الكنائس في ليلة عيد الميلاد لم يعكس أبداً ذلك “التعزيز” الذي أشار إليه مساعد الوزير. وقد ذكرت باكينام عامر، الصحفية في الطبعة الإنجليزية لصحيفة (المصري اليوم)، والتي تواجدت في كنيسة مار يوحنا بنجع حمادي أثناء إقامة قداس عيد الميلاد أن الكنيسة لم يكن أمامها سوى سيارتان للشرطة، تحمل كل منهما خمسة أفراد، وأن السيارتين غادرتا الموقع بعد ساعة واحدة من بدء القداس في السادسة مساء. وأضاف تقرير الصحفية أن الكنيسة لم يكن بجوارها إلا رائد شرطة وثلاث عساكر وقت حدوث الهجمات.26
لذلك فإن الإجابة عن سؤال (هل كان من الممكن منع اعتداءات نجع حمادي؟) سترتبط بالطبع بالإجابة عن سؤال الفصل السابق: (هل كان من الممكن ـ أو من الواجب ـ التنبؤ باعتداءات نجع حمادي؟). وسيبقى السؤالان دون إجابة شافية حتى يتم فتح تحقيق مستقل وشامل في الظروف المؤدية إلى جريمة ليلة عيد الميلاد.

18- مقابلة هاتفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شنودة منير شهدي، 17 يناير 2010.

19- مقابلة هاتفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع والدة كيرلس وجيه، 17 يناير 2010.

20- مقابلة هاتفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع أبانوب نشأت، 17 يناير 2010.

21- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع سامح صلاح، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

22- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كيرلس زكريا، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

23- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

24- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

25- أمير الصراف وأشرف شنتير، “عدلي فايد في لقائه بأعضاء لجنتي الأمن القومي وحقوق الإنسان بنجع حمادي”، جريدة الوفد، 16 يناير 2010.

26- Pakinam Amer, “Bloody Xmas: The aftermath,” Al-Masry Al-Youm, 8 January 2010

الفصل الرابع: يوم الجنازة…الأقباط يستخدمون العنف

لعبت أحداث اليوم التالي للاعتداءات، الموافق 7 يناير، دوراً محورياً في تصعيد أجواء التوتر التي انفجرت في صورة أعمال العنف التي شهدتها نجع حمادي والقرى المحيطة بها على مدى اليومين التاليين بين المسلمين والأقباط وقوات الأمن.

ففي الصباح التالي لوقوع الهجمات على أقباط نجع حمادي، وهو عطلة رسمية لمناسبة عيد الميلاد، تجمع عدد كبير من أقباط المدينة والقرى المجاورة لها أمام مستشفى نجع حمادي العام، بعد أن علموا بوقوع هجمات الليلة السابقة وما أسفرت عنه من قتلى ومصابين. ومع مرور الوقت وصل عددهم إلى أكثر من ألفي شخص وفق تقديرات أغلب شهود العيان الذين التقتهم المبادرة  المصرية، فضلاً عن التقارير الصحفية. وبدأ غضب المتجمهرين يتصاعد لأسباب مختلفة وربما مجتمعة، منها حسب روايات الشهود: الشعور بالإهانة من رؤية جثث قتلاهم على أرضية المستشفى، والاعتراض في البداية على تشريح جثث القتلى، والتأخر في تسلم الجثث لحين وصول الطبيب الشرعي، والمعاملة التي وصفها الشهود وأقارب الضحايا بالسيئة أو المستفزة من طرف الإدارة والعاملين بالمستشفى العام ومسئولي الأمن، فضلاً عن مشاعر الغضب والصدمة والحزن المخيمة على الجميع بسبب أحداث الليلة الماضية.

ومع تزايد أعداد الأقباط المتجمعين خارج المستشفى وغضبهم، قرر مسئولو الأمن السعي لنقل الجثث في سيارات الشرطة إلى الكنيسة لإقامة الصلوات على الجثامين، دون السماح للأقارب بحمل نعوش ضحاياهم في مسيرة للكنيسة، وهو الاقتراح الذي زاد المتجمهرين غضباً ودفعهم إلى الاحتجاج واستهداف واجهة المستشفى وسيارات الإسعاف والشرطة والسيارات الخاصة الموجودة أمامها بالحجارة، مع ترديد شعارات دينية وهتافات تندد بمحافظ قنا وتتهمه بالتخاذل وتندد بجهاز مباحث أمن الدولة. ومع تزايد عدد الأقباط المحتجين لجأ الأمن لاستخدام القوة، وأطلق الجنود الغازات المسيلة للدموع ثم استخدم الرصاص المطاطي بشكل عشوائي مما أدى إلى إصابة سبعة أشخاص على الأقل طبقا لتقديرات الشهود، من بينهم شخص مهدد بفقد إحدى عينيه.

وبعد مفاوضات مع الجهات الأمنية استطاع الأقباط المتجمهرون في النهاية حمل جثامين القتلى في مسيرة إلى الكنيسة، تخللتها مناوشات مع مسلمين قاموا بقذف المسيرة بالحجارة وأطلقت بعض النساء المسلمات الزغاريد من شرفات المنازل. ورد بعض الأقباط من مشيعي الجنازة بقذف المسلمين بالحجارة وإتلاف واجهات بعض المحال والسيارات في الطريق.

أحد الشهود الأقباط على احتجاجات يوم الجنازة ـ من قرية بهجورة ـ روى لبعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية شهادته التفصيلية حول أحداث اليوم:

“فى صباح الخميس تجمع آلاف الأهالي من نجع حمادي وبهجورة أمام مستشفى نجع حمادي العام وهى تبعد 2 كم من قرية بهجورة. تعاملت إدارة المستشفى والأمن بطريقة استفزازية مع الأهالي الثائرين، وكانت الجثث على الأرض، وأدى ذلك  إلى انفجار بركان الغضب لديهم، خاصة أنهم كانوا يرفضون تشريح الجثث فى البداية لكن وافقوا بعد تأكيد الأطباء لهم على ضرورة ذلك لمتابعة التحقيقات والتوصل إلى الجناة. ردد الأهالي شعارات دينية مسيحية مثل (بالروح بالدم نفديك يا صليب) وشعارات أخرى سياسية منها (يسقط المحافظ، يسقط أمن الدولة)، إضافة إلى توجيه البعض لسباب إلى مسئولي الأمن. ثم تطورت الأحداث وقام شباب غاضب بتكسير واجهة المستشفى وسيارة إسعاف وسيارة تابعة للطب الشرعي وإسقاط سيارة للشرطة في ترعة مجاورة للمستشفى. وردت الشرطة بعنف حيث قامت بإلقاء قنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاطي إضافة إلي ضرب الأهالى بالعصي، وهو ما أدي إلى إصابة ستة أحدهم إصابته خطيرة بالعين وآخر بالذراع.


حمل الأهالي الجثامين على الأعناق من المستشفى إلى كنيسة مار يوحنا مرددين شعارات دينية. وفى هذه الأثناء قام بعض الشباب بتكسير بعض أعمدة الكهرباء وكبائن التليفونات والأشجار. كما قام بعض الأهالي المسلمين الموجودين بالمنازل باطلاق الزغاريد من بلكونات المنازل ورمي المشيعين بالطوب والحجارة.


بعد انتهاء الصلاة على المتوفين داخل الكنيسة، نبه الأنبا كيرلس والأنبا بيمن على الأهالي بعدم التظاهر أو ترديد أي شعارات عدائية وعدم الاعتداء علي أى أحد أو شىء حفاظاً عليهم. وتوصل رجال الدين المسيحي وأجهزة الأمن إلى اتفاق نقلت بموجبه الجثامين في ثلاثة سيارات للدفن في مقبرة واحدة تابعة للمطرانية على أن  يصاحب الجثامين ذووهم من الدرجة الأولى فقط.


فى طريق العودة بعد أداء واجب العزاء قام شباب قرية بهجورة المسيحيين ـ في حدود 500 شخص ـ بتكسير الشجر فى شارع بورسعيد وسب المحافظ ومدير الأمن و[عضو مجلس الشعب] عبد الرحيم الغول. فقام أحد المواطنين المسلمين ـ صاحب معرض للسيارات بجوار مستشفى حميات نجع حمادي ـ  بإطلاق أعيرة نارية فى الهواء من بندقية آلية، فتفرق الشباب واستكملوا طريق العودة إلى بهجورة. لكن لحقت بهم سيارة محملة بالشباب المسلم الذين قاموا بإلقاء الطوب والزلط على المسيحيين.” 27

والد القتيل أبانوب كمال ناشد روى لبعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ما يلي:

“سمعنا طلق نار الساعة 11.30 بالليل. اتصل واحد مسيحي يشقيق أبانوب وقال إنه تم إطلاق نار على شقيقه بجوار المطرانية. ذهب وجد أخاه غارقاً في دمائه أمام مقر المطرانية. اتصلنا بالنجدة والإسعاف، وذهبنا إلى المستشفى وكان توفاه الله. في الصباح وجدنا الجثث ملقاة على الأرض دون أي اهتمام. الناس رفضت التشريح في البداية ثم قبلت لكن كانت هناك استفزازات كثيرة لأسر الضحايا. بعدها تعرض المشيعين للجنازة لإلقاء الطوب وتم حجز الناس في الكنيسة ولم يسمح لهم بالذهاب لدفن الجثث.”28

وبالمثل، قال كيرلس شقيق القتيل أيمن زكريا:

“وصل الطبيب الشرعي وطلب تشريح الجثث قبل التصريح بدفنها. وأصرت قوات الشرطة على نقل الجثامين في مدرعات، فتظاهرنا داخل المستشفى والمشرحة. بالمقابل كان الرد الأمني عنيف وفوجئنا بسيل من الرصاص المطاطي وقنابل الدخان وضربنا العساكر داخل المستشفى. وقام بعض الشباب بتكسير الواجهات الزجاجية في المستشفى احتجاجا على ما تعرضنا له من إذلال.”29

شاهد آخر كان متواجداً عند إطلاق النار ثم ذهب إلى المستشفى أدلى بإفادة مشابهة:

“الناس ذهبت إلى المستشفى من الليل وتوافد المشاركون في الجنازة حتى وصلوا لعدة آلاف. الأهالي رفضوا تشريح الجثث فعمل الأمن على إخراجهم من المستشفى فرفضوا ورددوا هتافات معادية للأمن والحكومة وطالبوا باسقاط وزير الداخلية ومدير الأمن والمحافظ. قامت قوات الأمن بضرب الأهالي بالرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع مما أدى إلى اشتباك الأهالي معهم، وتم تكسير واجهة المستشفى وسيارة إسعاف وسيارة مملوكة للطب الشرعي وسيارة تابعة للشرطة. خرجت الجنازة من المستشفى سيراً على الأقدام إلى الكنيسة لمسافة 3 كيلو مترات ووصلتها في حدود الساعة الثانية عشر ظهرا. حدثت تجاوزات من الشباب المسيحي وقاموا بتكسير كبائن عامة ولمبات الكهرباء وواجهات بعض المحلات ولافتات نيون بشارع بورسعيد. وقاموا بترديد شعارات دينية منها “بالروح بالدم نفديك يا صليب” وشعارات أخرى مثل “يسقط المحافظ ويسقط مدير الأمن”. عندها قام بعض المسلمين بقذف الجنازة بالطوب وإطلاق الزغاريد. أمر الأنبا كيرلس الشباب بالبقاء في الكنيسة وعدم الخروج وراء الجنازة التي اقتصرت على ذهاب الأهل من الدرجة الاولى فقط إلى المقبرة.”30


التقت بعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعادل، الذي أصابته إحدى الرصاصات المطاطية التي أطلقتها قوات الأمن عشوائياً لتفريق المحتجين الأقباط أمام الكنيسة. وقال عادل:

“يوم الأربعاء لم أذهب للكنيسة، وكنت في الشارع عندما تلقيت تليفون من والدي بأن هناك إطلاق نار في شوارع نجع حمادي يستهدف المسيحيين. ذهبت في الصباح إلى المستشفى للمشاركة في تشييع الجنازة فوجدنا عدداً كبيراً من قوات الأمن أغلق الطريق فدخلنا من طريق فرعي ووجدنا الجثث ملقاة على الأرض منذ أن رفعتها سيارة الإسعاف من مكان إطلاق النار، مما يدل على أنهم لم يسعفوا أحداً. ثم بدأت المعاملة المستفزة من الأمن الذي كان يحاول التضييق على الناس. قام شباب مسيحي غاضب بتكسير واجهة المستشفى وسيارة إسعاف وأخرى للطب الشرعي وثالثة تخص الشرطة. الظهر بدأ الأمن في ضرب الناس وأطلق قنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاطي كان يتم تصويبه على وجوه الشباب. أنا كنت منتظر عند باب المستشفى وتعرضت للإصابة بالرصاص المطاطي وبدأ وجهي ينزف دم من كل مكان ومش شايف وكنت محتاج أن ينقلني أحد للخارج أو يتم علاجي ولكن هذا لم يحدث. وانتظرت لمدة نصف ساعة إلى أن جاء احد أصدقائي وأخرجني من وسط الجموع. في الساعة الواحدة ظهرا ذهبت إلى مستشفى حورس بنجع حمادي حيث قاموا بتنظيف الدم وتركيب محلول جلوكوز وبقيت هناك أربع ساعات. ثم ذهبت يوم الجمعة لطبيب بقنا قال إن هناك تجمعات دموية إضافة لبقايا طلق داخل العين اليسري. وذهبت بعدها إلى مستشفى بالقاهرة حيث أجريت أشعة مقطعية وكتبوا لي على أدوية لتخفيف الالتهاب وطلبوا الانتظار لمدة 15 يوماً قبل إجراء أية عمليات بسبب الالتهاب الناتج عن الإصابة. لم أفكر في تحرير محضر في الشرطة بخصوص الإصابة.”31

أما الناشطة القبطية والمدونة هالة المصري، فقد سجلت في مدونتها أحداث يوم الجنازة التي كانت شاهدة عليها على النحو التالي:

“كانت هناك نية لتشتيت الكتل البشرية التى تجمعت لتشييع الشهداء. واتجهت النية لتأخير الدفن أو وضع جثث الشهداء فى عربات إسعاف والدفن بطريقة هادئة .. إلا أن كل الحشود أصرت على أخذ جثامين الشهداء بالقوة وحملها على الأعناق وقد تم لهم ما أرادوا. ورددوا هتافات على رأسها (بالروح بالدم نفديك يا صليب)، وسار الشباب والأهل الغاضبين فى موكب اهتزت له الارض بأسرها حاملة وجيعتهم إلى الله الذى سمع صراخ دم هابيل الصاعد من الارض .. دخلنا جميعاً للكنيسة لنصلي على شهدائنا ولفتني أنني رأيت مدير الأمن يصعد إلى جوار الاسقف أثناء الصلاة على الشهداء وعلى مايبدو أنه قال له أمراً ما .. ثم بعدها أتت الاخبار أنه لا أحد يخرج من الكنيسة لأن الشوارع ليست آمنة .. فقد هاج المسلمين الغاضبين (ولا أعرف غاضبين من إيه) من ابناء منطقة الساحل وهى بعينها المنطقة التي منها خرج النائب الغول وذراعة اليمين الكموني .. وأكمل الأسقف الأنبا كيرلس الصلوات ومعه الأنبا بيمن أسقف نقادة والعديد جداً من القساوسة الذين بكوا جميعا على أولادهم الشهداء .. ثم لم يخرج من الكنيسة أحد .. وأتى مدير الأمن وقيادات أمنية كثيرة جدا لتشرح خطورة الامر إذا ما غامرنا بحمل شهدائنا للدفن فى مقابر المطرانية على الأعناق مخترقين الطرقات مرة اخرى .. بل وإذا ماغادرنا الكنيسة فى تلك اللحظات .. ودقت كل الهواتف لتحمل أنباء الهجوم على بهجورة.”32

27- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

28- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كمال ناشد، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

29- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كيرلس زكريا، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

30- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

31- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع عادل، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

32- هالة المصري، أيادي الإجرام الخفية في مجزرة الميلاد.

الفصل الخامس: الاعتداءات الجماعية على الأقباط

نجع حمادي وبهجورة وعزبة تركس

أثناء تشييع جنازات قتلى اعتداء ليلة الميلاد ظهر يوم الخميس 7 يناير وحتى فجر السبت 9 يناير اندلعت موجات من الاعتداءات الطائفية التي طالت منازل وممتلكات الأقباط في نجع حمادي وقرية بهجورة وعزبة تركس التابعة للقرية. حيث قامت مجموعات تحمل أسلحة بيضاء وعصياً وأوعية من البنزين بكسر أبواب المحلات التجارية وسرقتها وإشعال النيران فيها، كما حاولوا فتح أبواب المنازل عنوة والتهجم على سكانها كما حدث في منطقة الساحل والسوق بمدينة نجع حمادي.
وقد أجمعت الشهادات التي حصلت عليها بعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على فشل الأجهزة الأمنية في حماية الأقباط وصد الاعتداءات على ممتلكاتهم، حيث غاب التواجد الأمني عن الشوارع والمناطق الملتهبة، والتي كانت مرشحة للانفجار في أي وقت. وتجولت بعثة المبادرة المصرية في المناطق المنكوبة، ورصدت آثار التدمير والتخريب على المحال التجارية والمنازل فيها، وحالة الخوف والرعب التي تسيطر على الأهالي خشية تكرار هذه الاعتداءات.
روى (جميل) صاحب محل بقالة بمدينة نجع حمادي لباحثي المبادرة المصرية كيف تعرض متجره للتدمير أثناء تشييع الجنازة والصلاة بكنيسة مار يوحنا. حيث تلقى اتصالات من جيرانه في الساعة الثالثة ظهر الخميس 7 يناير مفادها أن جماعات من المسلمين يقومون بتكسير البيوت ونهب وتدمير المحال التجارية في عدد من شوارع نجع حمادي، ومنها شارع النصارة خلف مستشفى الحميات وشارع التحرير حيث يوجد متجره. وأضاف جميل أن المجموعة كان يقودها جيران مسلمون له من نفس الشارع، قاموا بكسر أقفال متجره وتحطيم واجهات العرض وسرقة محتويات المتجر.
وفى نفس الوقت خرجت مجموعة من المسلمين بعزبة تركس التابع لقرية بهجورة وأشعلت النيران في منزل واستديو تصوير وحطمت واجهة صيدلية. وقدم مواطن مسيحي من العزبة شهادته لباحثي المبادرة المصرية وجاء فيها:
“في يوم الخميس حوالي الساعة 2 ظهرا خرجت مجموعة من المسلمين يزيد عددها عن مائة شخص في شوارع عزبة تركس وقامت بتكسير أبواب منازل المسيحيين وإشعال النيران في منزل زكريا زكي، وأستوديو يملكه مايكل فايز، وتكسير واجهة صيدلية سامي، وألقوا زجاجات بنزين على بعض المنازل، وأشعلوا النيران في موتوسيكل، وتم تكسير سيارة وائل فايز، وكانوا يرددون شعارات “لا اله إلا الله” ويسبون المسيحية. واستمر ذلك حتى الساعة 4.30 عصرا تقريبا حيث وصلت الشرطة بعد نحو ساعتين ونصف من بداية الهجمات وسيطرت على الوضع والتزم الأهالي بالبقاء في منازلهم.”33
وما أن هدأت الأوضاع قليلاً مساء الخميس وصباح الجمعة 8 يناير، وهو اليوم الذي شهد زيارة النائب العام لمدينة نجع حمادي وتأكيده على عدم التهاون مع الجناة وأنهم سينالون الجزاء الرادع، حتى تبدلت الأحوال بمجرد خروج المسئولين من المدينة. ففى حوالي الساعة السادسة مساء خرجت مجموعات من المسلمين في منطقة السوق بنجع حمادي، تحمل السيوف وقطع الحديد وبعض الأسلحة البيضاء لتبدأ عمليات نهب وتدمير واسعة ضد منازل وممتلكات دون تدخل الأجهزة الأمنية وفقاً للشهادات التي جمعتها البعثة.
وقال أحد شهود العيان من أهالي منطقة السوق من المسلمين إن الاعتداءات بدأت من الخميس لكنها كانت أشد ضراوة في يوم الجمعة، أضاف الشاهد:
“كان نحو300 شخص يسيرون في شوارع منطقة السوق والساحل ويكسرون الزجاج ويفتحون المحلات ويتم نهبها. أما المنازل فكان يتم خلع الأبواب. بينما تواجدت سيارات الأمن حول مركز الشرطة ومداخل البلد فقط. لم يكن هناك أي تواجد أمني في مناطق الشغب في السوق والساحل.”34
جرجس تاوضروس (62 سنة) ، صاحب محل بقالة بمنطقة السوق في نجع حمادي، أدلى بإفادته لبعثة المبادرة المصرية:
“أسكن على بعد شارعين من محلي في منطقة السوق. وفي حوالي السابعة من مساء الخميس عرفت من الجيران أن بعض البلطجية هاجموا المحل وحاولوا كسر بابه لكنهم لم يفلحوا. وحين سألت الجيران عرفت أنهم مجموعة من الشباب المسلمين كانوا يهتفون “الله أكبر” ويحاولون كسر باب المحل بالسنج. وفي اليوم التالي وفي حوالي السادسة مساء كان هناك حظر تجول مفروض على المدينة. لكننا فوجئنا بنحو 300 أو 400 شاب مسلحين بالسكاكين والبلط والسنج والعصي يهاجمون محلي ويكسرون الباب ودخل بعضهم إلى المحل. ونهبوا بضاعة كانت تقدر بنحو 10 آلاف جنيه بينها نحو 800 جنيه سيولة و كروت شحن تليفون بمبلغ ألف جنيه كنت قد اشترتيها لبيعها في العيد.
كان ولدي قريبا من المكان وكان يرى المحل يتعرض للنهب والسرقة ولكننا لم نستطع الخروج من البيت لا أنا ولا هو، فالمهاجمون كانوا يحملون كافة أنواع الاسلحة البيضاء، وبعضهم ملثم والبعض الآخر دهن وجهه باللون الأسود كي لا نتمكن من التعرف عليه. كانوا يتحركون بشكل منظم كأنهم مدربون على هذا من قبل .. وبعد نهب المحل أخرجوا كرات من القماش مبللة بالبنزين وألقوها داخل المحل فاندلعت فيه النيران وخسرت تجارة أعمل بها منذ 15 عاما. ولم تنفع محاولات الجيران المسلمين للتدخل أو إطفاء الحريق الذي ظل مشتعلاً نحو ساعة حتى وصلت قوات الاطفاء ومأمور القسم وحررنا محضرا بالواقعة. وفي يوم السبت جاءت لجنة من مجلس المدينة لحصر الخسائر ووعدوني بتعويضات.”35

وفي شهادة مماثلة، قال طلعت فاخوري، وهو صاحب محل لبيع القماش بمنطقة السوق:
“فتحت محل القماش في منطقة السوق منذ نحو ستة سنوات. وفوجئت يوم الجمعة بالجيران يتصلون بي ليخبروني أن مجموعة كبيرة من الشباب المسلمين يحملون السنج وزجاجات البنزين يهاجمون محلي. لكني لم أستطع الخروج بسبب حظر التجول الذي فرضته قوات الأمن، وكنت أتابع الموقف مع الجيران عبر الموبايل حتى علمت أنهم أحرقوا المحل بالكامل بعد أن نهبوا القماش. حاول أحد جيراني أن يتدخل لوقف الحريق فاعتدى عليه المسلحون. وتعرف الأهالي على بعض المهاجمين رغم أن وجوههم كانت مموهة، فهم من مناطق العزب حول نجع حمادي، والجميع يعرف أنهم كانوا متجهين إلى بهجورة لحرق منازل المسيحيين لكن الأمن أدخلهم إلى منطقة السوق. ورغم وجود مدرعتين وسيارات أمن مركزي على مدخل المنطقة إلا أن العساكر لم يتحركوا ولم يطلقوا طلقة واحدة حتى في الهواء لتفريق عشرات المسلحين الذين أحرقوا محلي ونهبوه على مدار ساعتين كاملتين.”36
ياسر أحمد، الشهير بياسر السني، كان أحد سكان المنطقة الذين حاولوا صد الاعتداءات على أملاك جيرانهم المسيحيين:
“في يوم الجمعة فوجئت بعشرات المسلحين يحاولون اقتحام محل عم شنودة كراس للبويات وعدد المعمار، واستخدموا بلطة لكسر الباب ونهبوا جميع محتويات المحل عدا بعض الجراكن الثقيلة التي لم يحملوها معهم، لكنهم ألقوا بزجاجات البنزين داخل المحل لتشتعل النيران فيها. وقتها أسرعت إلى محل شنودة وحاولت مع الأهالي إطفاء ما تبقى من الدكان خاصة أن الجراكن الموجودة كنت أعلم أنها بها مادة التنر سريعة الاشتعال فضلا عن اسطوانة بوتاجاز كان يمكن أن تنفجر في أية لحظة. كان المسلحون يصرخون “النصارى حرقوا الجامع” وظلوا يهتفون “الله أكبر” أثناء نهبهم للمحل حتى أحرقوه وانصرفوا يبحثون عن مكان أخرى. والغريب أن الحادث استمر ساعة ونصف تقريبا ولم نر أثراً لأي فرد أمن وسيارة الإطفاء وصلت بعد ثلاث ساعات وعرفنا فيما بعد أن الشرطة كانت تستخدم سيارة الإطفاء في تفريق متظاهرين مسيحيين أمام المطرانية بدلا من إطفاء النيران التي اندلعت في منطقة السوق وكادت تودي بحياة السكان جميعا مسلمين ومسيحيين.”37
وأكد الشهود الذين تحدثت إليهم البعثة أن الأمن لم ينتشر في نجع حمادي بشكل مكثف إلا مساء السبت، وترك الأهالي المسيحيين “تحت رحمة البلطجية” حتى ذلك الوقت. ثلاث ليال متصلة قضاها أغلب الأقباط بمنازلهم خوفاً من التعرض للقتل أو الاعتداء. وذكر عدد من الأقباط أن المرضى لم يستطعوا الخروج من البيوت للذهاب إلى الأطباء أو المستشفيات خلال تلك الفترة، وتم الاعتماد على ما يوجد بالبيوت من مواد غذائية.
أما قرية بهجورة، ذات الأغلبية المسيحية، فقد ترك التخريب والعنف آثاراً أشد وضوحاً عليها عندما نجح باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في دخولها بعد ثلاثة أيام من انتهاء أعمال العنف التي شهدتها. فقد اكتست القرية بالسواد، وبدت مظاهر الحزن والكآبة على وجوه الأعداد القليلة من الأفراد الموجودين في الشارع، لاسيما في المناطق التي يغلب عليها الوجود المسيحي. وظهر التواجد الأمني المكثف خاصة في المناطق التي تعرضت لإشعال الحرائق. حيث انتشرت مجموعات أمنية على مسافات متقاربة فلا تكاد تمر خمسون متراً دون وجود سيارتين للشرطة، فضلاً عن سيارات أخري تجوب الشوارع ذهاباً وإيابا لمراقبة الحالة الأمنية ومنع “الغرباء” من الدخول إلي القرية.
بدأ باحثو المبادرة المصرية جولتهم من شارع أبو العسل، حيث ظهرت بقايا المنازل المتهدمة وقد اكتست باللون الأسود الداكن من أثر الحرائق. ورفض أغلب السكان الحديث من فرط خوفهم، بينما انشغل قليل منهم بإزالة آثار العدوان. وبعد تفقد منطقة أبو عسل دخل باحثو المبادرة المصرية منطقة الدار ومنها إلى عزبة تركس حيث المحلات المحترقة والمنازل المغلقة التي يخاف أصحابها فتحها للغرباء. وفي طريق العودة كان أمام كل كنيسة من الكنائس الأربع في القرية حراسة من قرابة ثلاثة عساكر.
من بين القليلين من أقباط القرية الذين قبلوا الإدلاء بشهادتهم، قال أحد سكان شارع قريب من منطقة أبو العسل في بهجورة كان شاهداً على الأحداث:
“كانوا حوالي ثلاثة آلاف مسلم يتحركون في مجموعة واحدة معهم سلاسل حديد وجنازير وطوب وزلط وكرات لهب وأنابيب غاز. حاولوا في البداية دخول منطقة البركة بقرية بهجورة بين كنيستي العذراء ومار جرجس، لكنهم لم يتمكنوا من دخول هذه المنطقة ذات الكثافة المسيحية العالية فرجعوا إلى عزبة تركس حيث قاموا بتكسير محل عادل للموبيليا وسرقته وحرقه، ونهب سوبر ماركت لطيف وحرقه، وسرقة محل للساتالايت وإشعال النار في محل موريس في أول شارع الطاحونة. والمثير للدهشة أن الكهرباء قطعت في هذا التوقيت بالعزبة واختفت قوات الأمن يوم الجمعة تماما من العزبة رغم أنها شهدت ساعات عصيبة في اليوم السابق انتهت بقدوم الشرطة وسيطرتها على المكان. المعتدون توجهوا بعد ذلك إلي شارع ترعة الوزيرة ومنطقة أبو عسل، كسروا منزل عطا الله وولعوا فيه.. ثم تم تكسير منزل رشدي وأشعلوا النيران فيه وفى موتوسيكل. كما حرق المعتدون محل بقالة سادروس وكذلك منزل عادل ألفي ومنزل عايد جرجس حبيب وكان أسفله دكان وسوبر ماركت كبير و3 مخازن، وتم حرق ورشة نجارة ومقر للجمعية التعاونية، ودكان إدوارد نمر وسوبر ماركت ملك إدوار فرج الله، وحرقوا منزل حمدي ويصا وورشة نجارة يملكها، ومنزل ملاك سامح ومنزل وجيه نصري ثم دخلوا شارع المجارين وتم تكسير سيارة ميشيل دوس. بعض المسيحيين شافوا المخربين وتم تصويرهم لكن الناس خائفة من رد الفعل. كما كان هناك مسلمين دافعوا عن المسيحيين ولم يعجبهم الوضع مثل بيت فرغلي.”38
وأكد شاهد آخر من بهجورة أن الأمن لم يكن متواجداً داخل القرية طوال الأحداث التي استمرت من الساعة السابعة حني الحادية عشر من مساء 8 يناير:


“الأمن كان على مدخل القرية، ولم يشتبك مع أحد أو يحاول وقف الهجمات. وجاءت سيارات الإطفاء في حوالي الساعة العاشرة والنصف بعد
أن أكلت النيران كل شيء. سيارتين فقط لإطفاء نيران مشعلة في عشرات المنازل والمحلات.”39
شاهد عيان آخر من سكان بهجورة قال لبعثة المبادرة المصرية:


“المسيحيين وجدوا مئات من المسلمين يحملون العصي والسواطير والسنج ومعهم جراكن بنزين يهاجمون بيوتهم. كلنا أغلقنا أبوابنا خشية التعرض للقتل خاصة بعدما ثبت أن ما حدث في نجع حمادي يمكن أن يتكرر. وتوالى تكسير المحلات وإحراق المنازل بمن فيها في شارع أبو عسل. وهناك أربعة بيوت على الأقل كان داخلها سكانها من المسيحيين واستهدفها المسلمون بقذائف اللهب وحاولوا إحراقها.”40


أما إفادة الصحفي نادر شكري، حول اعتداءات بهجورة، فقد روى فيها ما يلي:
“في مساء الجمعة كنت في نجع حمادي عندما سمعنا أن أحداث العنف بدأت في بهجورة. اتصل بي ناس من سكان القرية وقالوا أن المنازل تحترق وأن العذراء ظهرت هناك وسمعت زغاريد وصراخاً على التليفون. وصلت بهجورة في التاسعة مساء الجمعة 8 يناير مع زميلي المصور. عند مدخل القرية شعرنا فوراً بالاختناق وبدأت دموعنا تسيل من آثار الغاز المسيل للدموع الذي كان يملأ أجواء القرية. ضباط أمن الدولة بالملابس المدنية كانوا يقفون خارج القرية وفي أيديهم رشاشات آلية وقالوا لي (الوضع مشتعل ومش عارفين ندخل القرية وكل اللي بنعمله أن نحاول منع الناس من الخارج من الدخول إلى القرية حتى لا تزداد الأوضاع اشتعالاً). بدأت قوات الأمن تصطف خارج القرية وتردد صيحات حماسية لإشعار الناس بوجود الأمن. عندما نجحت في دخول القرية وجدت حرائق مشتعلة في منزلين وأربعة محلات، والناس بعضهم يصرخ، ومجموعة أخرى تردد الزغاريد لظهور العذراء في سماء القرية، ومجموعة ثالثة تحاول إطفاء الحرائق، بينما قبع باقي أقباط القرية في منازلهم خوفاً. كان المنظر عجيباً ومفزعاً ومليئاً بالتناقضات.”41


وفي نفس وقت اعتداءات بهجورة، كانت عمليات نهب وحرق مماثلة تشهدها عزبة تركس لليلة الثانية على التوالي. كما وردت معلومات للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية تفيد بأن أقباط قرية الرحمانية المجاورة ـ والتي يسكنها أقارب بعض ضحايا اعتداءات ليلة الميلاد ـ اشتبكوا في مساء الجمعة 8 يناير مع قوات الأمن الذين ردوا باستخدام مدافع المياه والرصاص المطاطي، وهو ما أسفر عن إصابة عدد من الأقباط. غير أن بعثة المبادرة المصرية لم تتمكن من دخول الرحمانية نظراً للحصار الأمني المفروض عليها.
وأفادت الشهادات التي جمعتها بعثة المبادرة المصرية أن عدداً من الشائعات التي ترددت يوم الجمعة ساهمت بشكل بارز في تأجيج أعمال العنف. فقد تم يوم الجمعة تشييع جنازة الشرطي المسلم الذي قضى في اعتداءات 6 يناير، ولكن إشاعة انتشرت بسرعة في أرجاء المنطقة تفيد بأنها جنازة مسلم قتله الأقباط انتقاماً. كما كان من أبرز الشائعات غير الصحيحة أن الأقباط قاموا بإحراق مسجد، وهي شائعة انطلقت منذ يوم عيد الميلاد وانتشرت بكثافة وسط الأهالي. وترددت شائعة أخرى بشأن مقتل اثنين من المسلمين برصاص مسلحين مسيحيين ثبت عدم صحتها. وترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن أي تحقيق شامل في أحداث نجع حمادي يجب أن يشمل استجلاء الحقيقة بشأن مصادر هذه الشائعات، والمسئولين عن ترويجها.
وعلمت بعثة المبادرة المصرية أن سيدة مسيحية مسنة تشير التقارير إلى أن اسمها أليس قسطنجي، قد توفيت في قرية بهجورة مساء الجمعة 8 يناير في أثناء وقوع أعمال العنف هناك. واختلفت الروايات بشأن سبب الوفاة بين رواية تشير إلى أنها توفيت اختناقاً من أثر الغازات المسيلة للدموع، ورواية أخرى ترجح أن الوفاة نتجت عن حالة الذعر التي تسببت فيها أعمال العنف الجماعي ضد أقباط القرية. وتطالب المبادرة المصرية النائب العام بإصدار توضيح بشأن وفاة هذه السيدة، التي شيعت جنازتها بعد ظهر يوم السبت 9 يناير في ظل حراسة أمنية مشددة، وفقاً لمشاركين في الجنازة.
وفي صباح يوم السبت 9 يناير وصلت حشود أمنية من محافظات مجاورة لقنا، وخيمت أجواء الهدوء من جديد على المنطقة. ولم يعلن النائب العام حتى وقت صدور هذا التقرير عن إحالة أي متهمين إلى المحاكمة بتهمة التورط في الاعتداءات الإجرامية في الفترة من 7 إلى 9 يناير.

أم أحمد..قصة لا بد أن تروى
أم وجدة صعيدية، قررت أن تقف ولو وحدها في مواجهة ” العيال البطلجية”. سيدة قصيرة القامة، تجاوزت الخامسة والسبعين، رحل عنها الزوج فقررت أن تحمي أولادها وأحفادها بنظرة واحدة من عين تدربت طويلا على القيام بدور الأم والأب معا. أم أحمد أو “الحاجة” كما يناديها الجميع في منطقة السوق بنجع حمادي كانت على موعد مع “العيال البلطجية” كما تسميهم  في ليل الجمعة 8 يناير. “كانوا 300 عيل كلهم يا متلتمين يا داهنين وشهم أسود .. عيال من عمر عيالي شايلين سكاكين وسواطير وسيوف ونازلين تكسير في محل جورج، المحل كان مقفول .. صرخت فيهم حرام عليكم دا محل مسلمين عشان يمشوا .. فحدفوني بالطوب لحد ما الشباك اتكسر كله.”


لم تصمت أم أحمد على اعتداء “العيال” عليها، صممت أن توقف ما يحدث أسفل منزلها بأي وسيلة خرجت لهم من البلكونة تصرخ فيهم: “ارجع يا واد انت وهو بعيد .. بقولكم دا محل مسلمين يا كفرة.” لكن “العيال” ردوا على أم أحمد بمزيد من قطع الأحجار والطوب. “أنا ما سكتش دخلت تاني على الشباك المتكسر وصرخت فيهم “عيب يا واد أنا هابلغ الحكومة .. وقعدت اصرخ عشان يمشوا فمسكوا كور قماش مبلولة بنزين وولعوا فيها وحدفوها علينا في البيت.”


صرخت السيدة العجوز وهي ترى قذائف اللهب تلتهم جزءا من أثاث ابنتها العروس. حاولت إطفاء ما استطاعت من كرات النار، وصرخت تستنجد بابنتها لتطفئ الباقي قبل أن تصل النيران إلى عدد من اسطوانات البوتاجاز الموجودة في الشقة.
انتبهت الأم على وقع أقدام أحمد ابنها يجري على السلم قادما من عزاء الأمين أيمن، الذي راح ضحية اعتداء 6 يناير، صرخت فيه “حرقوا دكان عمك جورج يا أحمد .. حرقوه وسرقوه يا بني.” عاد أحمد للخارج ليرى آثار التدمير في المحل، فوجئ بأمه العجوز تأتي حاملة “حلة مية .. قلت اطفي الحريقة .. الله يوريني فيهم يوم اللي عملوا كدا وحرقوا دكان الراجل الطيب .. جورج دا بقاله 15 سنة معانا مأجر وماشوفناش منه حاجة وحشة يعملوا فيه كده ليه؟”


لم تمر دقائق حتى كان الجميع يعاون أم أحمد في إطفاء ما تبقى من محل جورج للبقالة، بالماء مرة، وبالتراب مرات، في النهاية كانت النار أقوى من أم أحمد فلم يتبق لعم جورج من محل البقالة سوى دولاب صغير جمعت فيه أم أحمد بقايا الحريق وأغلقت على نفسها الباب تفكر في الزمن الذي تغير و “العيال” الذين لم توقفهم نظرة عين كانت “بتربي رجالة بشنبات”.

33- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

34- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

35- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع جرجس تاوضروس، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

36- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع طلعت فاخوري، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

37- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع ياسر أحمد، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

38- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

39- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

40- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

41- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع نادر شكري، 11 يناير 2010، القاهرة.

الفصل السادس: الانتهاكات الأمنية في أعقاب اعتداءات نجع حمادي

في الوقت الذي فشلت فيه أجهزة الأمن في التنبؤ باعتداءات نجع حمادي، وفي التصدي للمهاجمين أثناء تنفيذها، وفي حماية منازل وممتلكات الأقباط من النهب والإحراق والتدمير، فإنها عوضت هذا الفشل بانتهاج النمط المعهود من الانتهاكات التي دأبت على ارتكابها في أعقاب أحداث العنف الطائفي: الاعتقالات العشوائية الفردية والجماعية من الطرفين، واستعمال قانون الطوارئ، والتعذيب وإساءة معاملة المحتجزين، وتقييد حرية ممثلي الإعلام ونشطاء المجتمع المدني.

1. الاعتقالات العشوائية

حصلت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على العديد من الشهادات المتطابقة حول عمليات توقيف واحتجاز عشوائية قامت بها قوات الأمن في مراحل مختلفة في الفترة من صباح 7 يناير وحتى فجر 10 يناير. وقد طالت هذه الاعتقالات المسلمين والمسيحيين، ووقع أغلبها في أماكن وأوقات بعيدة عن أحداث العنف والاعتداءات التي لم تقم قوات الأمن خلالها بواجبها في وقفها والقبض على المتورطين فيها.

وفي الوقت الذي صرح فيه مساعد وزير الداخلية للأمن العام اللواء عدلي فايد بأن عدد المقبوض عليهم في “أعمال الشغب” هو 16 مسلم و13 قبطي،42 فقد ذكر مصدر كنسي بنجع حمادي لبعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن:

“عدد الذين قبضوا عليهم خلال الأيام الأربعة الأولي للأحداث من الأقباط بلغ 48، تم الإفراج عن 28 منهم على ثلاث دفعات، بينما لايزال 20 شابا محتجزين بعضهم أشقاء. وتم إلقاء القبض بطريقة عشوائية وفى وقت تال للأحداث والاشتباكات. وعدد منهم تم القبض عليه داخل منزله. بل إن أحدهم قبض عليه عند السؤال عن أخيه المحتجز بالقسم. وهناك من قبض عليه في وسائل المواصلات. وعلمنا أنه يتم التعامل مع المعتقلين بقسوة شديدة ويتعرضون لإهانات وشتائم وضرب.”43
كان الصحفي نادر شكري شاهداً على إحدى عمليات الاعتقال العشوائي تلك. فقد ذكر في إفادته للمبادرة المصرية:
“في السادسة مساء الجمعة 8 يناير تجمع حوالي 300 شاب أمام المطرانية ورددوا هتافات غاضبة احتجاجاً على اغتيالات ليلة العيد وأعمال العنف ضد الأقباط التي تلتها. خرج لهم الأسقف ومدير الأمن وضابط أمن الدولة وحاولوا فضهم وتهدئتهم. كان منهم عدد من قرية بهجورة التي كانت قد شهدت مساء الخميس اعتداءات. حاصر الأمن المتظاهرين من جهتين، ثم فتحوا جهة واحدة خرج منها حوالي 250 شاباً، ثم فجأة أغلق الجنود هذه الفتحة وبدأوا في سحل الشباب الخمسين المتبقين على الأرض وضربهم وإدخالهم عنوة إلى عربات الشرطة في وجود الكهنة والأسقف. الكهنة حاولوا إنقاذ بعضهم لكن الأمن سب الكهنة ونهرهم.”44
وتطابقت شهادة نادر شكري مع إفادة أدلى بها لباحثي المبادرة المصرية شاهد عيان على الواقعة ذاتها:


“حضرت مظاهرات اليوم التالي للحادث أمام المطرانية احتجاجاً على إصرار الشرطة على احتجاز الشباب الأقباط من بهجورة. وفي تلك المظاهرات تعرضت للضرب بعنف. وكان من بين المتظاهرين أطفال لم يتجاوزوا الخامسة عشرة. وألقى الأمن القبض على أحدهم فصرخ الطفل مستنجداً بأحد الكهنة “الحقني يا أبونا” إلا أن عدداً من أمناء الشرطة والمخبرين منعوا الكهنة من التدخل، بل واعتدوا عليهم بالضرب أمام وكيل المطرانية الذي تلقى دفعة أسقطته أرضا وهو يحاول حماية الطفل من عنف قوات الأمن. وسمعت أحد الضباط يصرخ في وجه وكيل المطرانية: “انت تخرس خالص يا زفت انت .. ما اسمعش صوت أمك .. لو فتحت بقك هاجرك من دقنك على الحبس.. احنا مسيطرين على الوضع وأي حد هايفتح بقه هاحبسه.”45

وذكر أحد أقباط قرية بهجورة أن قوات الأمن قامت فجر السبت 9 يناير بإلقاء القبض على 30 مسيحياً من بهجورة و14 مسلم، وأن القبض كان عشوائياً ولم يستهدف المتورطين في أحداث العنف التي شهدتها القرية في مساء الجمعة، وأضاف أن ستة من صغار السن جرى إخلاء سبيلهم بعد بضعة أيام.
من ناحية أخرى، أشارت إفادة مكتوبة للناشط السياسي بولا عبده عضو حزب الجبهة الديمقراطية، والمقيم بمدينة نجع حمادي أن المدينة شهدت فجر يوم الأحد 10 يناير “حملة اعتقالات واسعة على شباب المسيحيين في الساعة الرابعة فجراً … وذلك غير الذين تم القبض عليهم أثناء التظاهرات والاعتصامات.”46
كما علمت بعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من مصادر مختلفة تضم مسلمين ومسيحيين في نجع حمادي أن الأمن استهدف – بحملة اعتقالات من المنازل – الأقباط الذين نشروا على الإنترنت وقائع أو صوراً بشأن ما حدث في نجع حمادي أو قرية بهجورة. غير أن البعثة لم تتمكن من إثبات هذه المعلومة أو نفيها.
وقد تلقت المبادرة المصرية قائمة بأسماء 12 شاباً قبطياً أمرت النيابة بحبسهم على ذمة التحقيقات في أحداث الشغب التي شهدتها المنطقة على مدى الأيام الأربعة، وجرى ترحيلهم في 17 يناير إلى سجن الوادي الجديد وهم: وائل ميلاد صموئيل، وفادي ميلاد صموئيل، جورج نصري صدقي، ويوحنا مسعود عطا الله، ومينا بقطركيرلس، ورزيقي روماني جاد الله، وعماد أنسي مفيد، وميلاد بديع رسالة، وممدوح فوزي نصري، ورأفت رفعت عدلي، وهاني نبيل إبراهيم، وهاني زاهر إبراهيم.
بينما لا يزال ثمانية أقباط آخرين محتجزين لدى الشرطة في أماكن غير معلومة وقت صدور هذا التقرير وهم: أسامة وديع، وبشاي ماهر زكري، ومينا ماهر زكري، ونشأت ماهر زكري، وميلاد ناجح ماركو، وممدوح عزمي، ورزيقي ويليام فؤاد، ومينا فيكتور.
ولم تتوافر قائمة بأسماء أو أعداد المعتقلين من المسلمين على خلفية الأحداث حتى وقت صدور هذا التقرير. وتحث المبادرة المصرية للحقوق الشخصية النائب العام على إصدار بيان تفصيلي بأعداد وأسماء جميع المحبوسين على ذمة التحقيقات في أحداث العنف، والتهم الموجهة إليهم، وضمان التحقيق في أي إجراءات احتجاز غير قانوني على خلفية هذه الأحداث ومحاسبة المسئولين عن هذه الإجراءات.

42- أمير الصراف وأشرف شنتير، “عدلي فايد في لقائه بأعضاء لجنتي الأمن القومي وحقوق الإنسان بنجع حمادي”، جريدة الوفد، 16 يناير 2010.

43- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كاهن بمطرانية نجع حمادي، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

44- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع نادر شكري، 11 يناير 2010، القاهرة.

45- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

46- بولا عبده، تقرير عن حادثة نجع حمادي، إفادة كتابية.

2. التعذيب وإساءة المعاملة

توافرت لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية شهادات متطابقة ترجح تعرض بعض المحتجزين من الأقباط على الأقل للتعذيب وإساءة المعاملة بمقر مباحث أمن الدولة بمدينة نجع حمادي. وتضمنت أساليب التعذيب وإساءة المعاملة الواردة في الشهادات كلاً من الضرب المبرح، والركل بالأرجل، وإجبار المحتجزين عل خلع أغلب أو جميع ملابسهم مع تغمية أعينهم، وتوجيه الإهانات الدينية والسباب. كما تشير قرائن عدة إلى أن أحد ضباط مباحث أمن الدولة قام بصعق بعض المحتجزين بالكهرباء في أماكن مختلفة من أجسادهم، بما فيها أعضاؤهم التناسلية.
وقد حصلت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على إفادة تفصيلية من أحد المحتجزين بعد إطلاق سراحه بشأن ظروف اعتقاله وتعذيبه، جاء فيها ما يلي:
“كنت في زيارة وشاهدت تجمعاً خلف مطرانية نجع حمادي من الشباب يتظاهرون ضد الاعتداءات التي حدثت في المدينة، ولم اشارك في المظاهرات، ولكني بمجرد مروري من الشارع لمشاهدة ما يحدث تم القبض علي وإلقائي داخل سيارة الشرطة مع 14 شاب مسيحي. كان ذلك ما بين الخامسة والسادسة مساء يوم الجمعة 8 يناير. وتحركت السيارة إلي قسم شرطة نجع حمادي، حيث جلسنا في غرفة بها مكاتب للموظفين. وخصص المسئولون بالقسم غرفتين للمسيحيين وواحدة للمسلمين لأن عددهم كان أقل. وقال أحد أمناء الشرطة لنا “الشيلة دي انتوا اللي هتشلوها”، وبعد فترة علمنا أنه كان يقصد عمليات الإتلاف التي كانت قد وقعت وإهدار المال العام. لم يوجه أي أحد بالمركز أي أسئلة لنا، ولم نوقع علي أي أوراق، واستمر وضعنا كمحبوسين دون تهمة داخل مكاتب قسم شرطة نجع حمادي حتى صباح السبت.


وفي يوم السبت 9 يناير حوالي الساعة 12 ظهرا جاءت سيارة وتم ترحيل عشرة من المسيحيين إلى مقر مباحث أمن الدولة. بمجرد وصولنا وضعوا قطع قماش على أعيننا ثم أدخلونا في غرفة معا بها مخبرين وعساكر وضابط يقومون بضربنا على وجونا وركلنا بالأرجل. ثم كانوا ينادون على كل اسم بمفرده ليدخل غرفة أخرى. كنت أسمع صرخات المحتجزين من شدة الألم وعبارات تدل على تعرضهم للقسوة منها “حرام عليك يا باشا”، وسمعت أيضا صوت شرارات كهربية متقطعة إضافة طبعاً إلي سب الدين.


مع حلول المساء انتهوا من التحقيق معنا فتم وضعنا في البوكس ونحن مقيدين بالكلابشات وأعيننا ما زالت مغماة. وعند الوصول إلى قسم الشرطة تم إنزال ثمانية منا ورجعوا اثنين معهم. في كل وردية كانوا ينادون علينا للتأكد من وجودنا في الغرفة التي احتجزونا فيها.


عندما كنا في قسم الشرطة حكى لي بعض الشباب عن التعذيب والانتهاكات التي تعرضوا لها. وقال لي واحد منهم كنت أعرفه أنهم قاموا بنزع ملابسه كلها ما عدا “الفانلة” الداخلية، ثم تم ضربه وآخرين على مؤخراتهم، وربط أسلاك مكهربة على القضيب والخصيتين ووضعها في فتحة الشرج. وكان بعض الناس يذهبون عدة مرات إلى أمن الدولة بينما البعض الآخر وأنا منهم ذهب مرة وحيدة. وسمعنا أن بعض الناس الذين كانوا معنا تم ترحيلهم إلى معتقل بالوادي الجديد. وأخيراً خرجت يوم 12 يناير مع 16 واحد تاني مسيحي.”47

وفيما يلي إفادة أخرى حصلت عليها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من والدة أحد المحتجزين:
“اختفى [ابننا] فجأة من يوم العيد ولم نكن نعرف ماذا حدث له. لكننا عرفنا فيما بعد من أحد المفرج عنهم أنه محتجز في قسم شرطة نجع حمادي. وفور معرفتنا بالقصة حاولت ووالده الوصول إلى المركز لكن الأمن منعنا ورفض الكشف عن مكان احتجاز ابننا حتى فوجئنا بخبر اعتقال اثنين من أبناء جيراننا [تحتفظ المبادرة المصرية بأسمائهما] وعرفنا أنهما محتجزان مع ابننا في المركز. ذهبت مع زوجي إلى المطران ومازلنا نذهب كل يوم حتى عرفنا أن الأمن حول المحتجزين في المركز إلى أمن الدولة بقنا بطلب من الضابط مصطفى جمعة مدير مكتب أمن الدولة بالمحافظة. وعرفنا من بعض المفرج عنهم أن الضابط يحتجز الأولاد الثلاثة في غرفة خاصة لا يدخلها غيره ويعذبهم بمعاونة الجنود صعقاً بالكهرباء في الخصيتين والقضيب وحلمتي الثدي وفتحة الشرج. وأخبرنا أحد الجيران المفرج عنهم أن [ابننا]  يعاني من تورم شديد في الساقين نتيجة الصعق وحروق مختلفة في أنحاء جسمه فضلا عن رفض الضابط إدخال أي طعام للثلاثة طيلة فترة احتجازهم في غرفة التعذيب الخاصة.


الأمن يحتجز ولدي منذ 12 يوما، وهو الآن حسب معلوماتنا في مركز شرطة نجع حمادي. وقد أفرجوا قبل يومين عن شاب من المحتجزين بعد تعرضه لتعذيب شديد أدى لفقدانه القدرة على التحكم في الإخراج، وذهب به الأهالي إلى مستشفى في أسيوط لعلاجه من آثار التعذيب. وعرفنا من المطرانية أنه حتى البطاطين التي أرسلها سيدنا [الأنبا كيرلس]  للمعتقلين تم الاستيلاء عليها من قبل الضباط والجنود ورفضوا إدخالها لأولادنا الذين يتعرضون للتعذيب في مجموعات منفصلة ويشرف على التعذيب الضابط مصطفى جمعة. أما الذين خرجوا قد حكوا لنا عن تعذيب بالكهرباء والضرب بالعصي على المؤخرة وربط الخصيتين والمنع من الأكل والنوم و الصفع والركل وتمزيق الملابس وسب الدين فضلا عن تهديد الضابط جمعة لمن خرجوا بالقتل إذا تحدثوا عن التعذيب.”48

وتؤكد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على أن هذه الاتهامات الخطيرة، فضلاً عن تأكيد مصادر بمطرانية نجع حمادي تلقي المطرانية لتقارير مشابهة بشأن تعذيب المعتقلين، تستوجب تحقيقاً فورياً من النيابة العامة، لا سيما وأنها تشير إلى أن المحتجزين مازالوا يتعرضون للتعذيب وإساءة المعاملة حتى وقت صدور هذا التقرير، مما يستدعي التدخل العاجل لإنقاذهم.

47- شهادة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تم حجب معلوماتها بناء على طلب الشاهد.

48- شهادة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تم حجب معلوماتها بناء على طلب الشاهدة.

3. تقييد عمل الإعلاميين وحرية استخدام الإنترنت

تلقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أثناء إعداد هذا التقرير عدداً من الشكاوى من مراسلين صحفيين تعرضوا أثناء تغطيتهم لأحداث نجع حمادي لأشكال مختلفة من التدخل في عملهم، تضمنت تقييد حريتهم في إجراء مقابلات مع شهود عيان أو رجال دين، ومراقبة تحركاتهم، ومنعهم من دخول مناطق مختلفة دون أسباب واضحة، والتحرش بهم أو بمن يتعاون معهم من الأهالي. وفي بعض الحالات وصلت إلى منعهم تماماً من أداء عملهم بدعوى ضرورة الحصول على تصريح خاص. وفي حالة واحدة على الأقل تم التعدي على بعض الصحفيين بالضرب.
فقد علم باحثو المبادرة المصرية أن قوات الأمن قامت في مساء يوم الجمعة الموافق 8 يناير، وأثناء تنظيم مظاهرة أمام مطرانية نجع حمادي، بالاعتداء الجسدي على عدد من الصحفيين والمصورين المتواجدين لتغطية التظاهرة، وإخراجهم عنوة خارج الكردون الأمني الذي أحاط بالتظاهرة لمنعهم من أداء عملهم.
كما شكا مراسلون صحفيون من منعهم من دخول قرية بهجورة وعزبة تركس وقرية الرحمانية على مدى عدة أيام وبخاصة يومي 8 و9 يناير. بل إن صحفيين عادوا لزيارة موقع الأحداث بعد أسبوع من انتهائها جرى منعهم من دخول هذه الأماكن دون سند قانوني، ومطالبتهم بالحصول على تصريح خاص من إدارة العلاقات العامة بوزارة الداخلية كشرط لإتمام مهماتهم. وذكرت مراسلة صحفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن إدارة مستشفى سوهاج العام التي يتلقى فيها العلاج المصابون في اعتداءات ليلة عيد الميلاد رفضت التعاون معها بدعوى وجود تعليمات من الأمن بعدم التعامل مع وسائل الإعلام بشأن هذا الحادث بالتحديد.
ونظراً للدور البارز الذي لعبته شبكة الإنترنت في إعلام جمهور واسع بتطورات الأحداث في نجع حمادي، فإنه يبدو أن قوات الأمن اتخذت إجراءات لرصد مستخدمي الإنترنت ربما تكون قد استخدمت فيما بعد في اعتقالهم كجزء من حملات الاعتقال العشوائية المشار إليها أعلاه. فقد ذكر أحد أصحاب مقاهي الإنترنت في المدينة لبعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الأمن وجه تعليمات له ولغيره من أصحاب مراكز الانترنت بتسجيل أسماء وأرقام بطاقات مستخدمي الانترنت في ورقة تتسلمها الشرطة في دورياتها المسائية كل يوم، وكذلك منع الدخول على موقعي (الأقباط متحدون) و(الأقباط الأحرار). 49

49- شهادة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تم حجب معلوماتها بناء على طلب الشاهد.

4. احتجاز ومقاضاة نشطاء المجتمع المدني

في صباح يوم 15 يناير قامت قوات تابعة لأمن الدولة والمباحث الجنائية بإلقاء القبض على وفد من نشطاء الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والمدونين والصحفيين بالإضافة لناشطة فرنسية فور وصولهم لمحطة قطار نجع حمادي في زيارة تضامنية مع سكان المدينة في أعقاب أحداث العنف الطائفي التي شهدتها منذ 6 يناير، وتقديم العزاء لأسر الضحايا.
وقد تكون الوفد المقبوض عليه من كل من:
إسراء عبد الفتاح، و وائل عباس، و باسم سمير عوض، وباسم فتحى محمد، وأاحمد بدوى عبد الحميد، وشريف عبد العزيز محمود، وماريان ناجى حنا، ومصطفى أحمد محمد النجار، ورؤى إبراهيم غريب، وناصر فتحى علي، و خالد محمود محمد، وطلعت الصاوي، ونادية الزينى باروني، وأميرة الطحاوي إسماعيل، وسلمى علاء الدين عقل، وأحمد محمود مصطفى، وإسماعيل سيد عمر، ومنى فؤاد أحمد، وأحمد فتحي محمد، وبولا عبده أمين، وحسام صابر على، وحمادة عبد الفتاح محمد، وجمال فريد، ومحمد خلف محمد، والحسيني سيد أحمد، ومحمد حمدي حسن ، ومحمد عبدالله محمد، وحشمت محمد عبدالله، وطارق صبرى عبد الله، وشاهيناز محمد صلاح.
وحسب روايات المحتجزين لباحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمعلومات الصادرة عن عدد من المنظمات الحقوقية التي تابعت قضية احتجازهم، فقد تم اقتياد أعضاء الوفد فور توقيفهم إلى مركز شرطة نجع حمادي، ومنه تم ترحيلهم إلى مديرية الأمن بمدينة قنا.
وقالت أميرة الطحاوي ـ إحدى المحتجزات ـ  لباحثي المبادرة المصرية إن واحداً من المحتجزين فقد وعيه خلال الفترة التي قضاها أعضاء الوفد التضامني في زنزانة بمركز شرطة نجع حمادي، وأن المحتجزين أبلغوا الضباط بحالته لكنهم رفضوا إخراجه من الزنزانة.50
وفي إفادة لباحثي المبادرة المصرية، ذكر محمد خالد المدون والصحفي بالموقع الإلكتروني لجريدة المصري اليوم:
“تم إلقاء القبض علينا فور وصول القطار إلى محطة نجع حمادي. ووجدنا في انتظارنا ست سيارات أمن مركزي وعدد من سيارات الشرطة (البوكس). وألقى القبض علينا أفراد أمن يرتدون زي الشرطة وعرفنا أن معهم مجموعة من البلطجية. وضعونا داخل سيارة أمن مركزي وانتقلنا إلى مركز شرطة نجع حمادي وكان في انتظارنا مدير أمن قنا وضابط يدعى هيثم. أجبرونا على النزول من سيارة الأمن المركزي واحداً تلو الآخر، وسألوا الجميع عن البيانات الشخصية وصادروا الهواتف المحمولة والكاميرات والبطاقات الشخصية، وبعدها تم نقلنا إلى مدرية أمن قنا في سيارتي أمن مركزي (ترحيلات) واحدة للذكور وأخرى للإناث. ووصلنا المديرية قرابة التاسعة والنصف صباحا، وفور وصولنا لمديرية الأمن تعرضنا لتفتيش ذاتي مهين ووضعونا في زنزانة (4 X 3 متر) وتكون الطعام من الخبز والجبن والماء. كانت أمامنا زنزانة أخرى احتجزت فيها الناشطات.


الاحتجاز استمر 12 ساعة حتى التاسعة مساء، حيث تم نقل المعتقلين جميعا إلى النيابة العامة بمجمع محاكم قنا في سيارة ترحيلات. استمر التحقيق معي في النيابة نحو 30 دقيقة. ووجهت إلي تهم الانضمام لمجموعات تضر بالأمن العام، والتظاهر والتجمهر للإضرار بالوحدة الوطنية، وترديد هتافات ضد وزارة الداخلية. وسألني وكيل النيابة “هل انضممت لأي جماعات أو حركات سياسية؟ هل تم اعتقالك سابقا؟ تعرف الناس اللي معاك دي منين؟” وبعد الانتهاء من التحقيق قسمنا الأمن إلى مجموعات كل مجموعة تتكون من خمسة أفراد وأخبرونا أننا سوف نعود إلى مديرية الأمن مرة أخرى. أخذوني وحدي إلى أمن الدولة لأمضي في الحجز ربع ساعة، ثم أعادتني الشرطة إلى مديرية الأمن مع باقي المعتقلين الذين حشروا جميعا في زنزانة أصغر حجما يوجد بها ثلاثة دكك. ومع صباح اليوم التالي امتنع أفراد الأمن عن توصيل الطعام والشراب والبطاطين التي حاول وفد من السياسيين إيصالها للمعتقلين ورد العساكر على وفد السياسين قائلا “دول مش عندنا”. كما رفض الأمن طلبنا باستخدام التليفون. وظل الوضع كما هو حتى يوم السبت 16 يناير حيث أبلغنا بقرار إخلاء سبيلنا حوالي الثالثة ظهراً.”51

50- مقابلة هاتفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع أميرة الطحاوي، 16 يناير 2010.

51- مقابلة هاتفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع محمد خالد، 17 يناير 2010.

الخلاصة والتوصيات

إن الشهادات التي يضمها هذا التقرير، والتحقيق الميداني الذي أجراه باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لا يشكلون بطبيعة الحال بديلاً عن تحقيق رسمي وشامل ومستقل في جميع الظروف والأحداث التي أحاطت باعتداءات نجع حمادي. وفي غياب مثل هذا التحقيق الرسمي (سواء كان قضائياً أو سياسياً)، فإن الإسهام الأساسي لأي جهد غير حكومي لتقصي الحقائق سيتمثل في تحديد الأسئلة، وليس بالضرورة في تقديم الإجابات.
ومن هذا المنطلق، فإن الأسئلة المحورية التي يطرحها هذا التقرير، كما جاءت على ألسنة الشهود الذين أدلوا بإفاداتهم في إطار إعداده:
هل كان لاعتداءات 6 يناير أي صلة بالتحالفات الانتخابية أو صراعات النفوذ في دائرة نجع حمادي تمهيداً للانتخابات التشريعية في خريف 2010؟
هل تلقت أجهزة الأمن المحلية أو المركزية أي معلومات قبل اعتداءات 6 يناير بشأن التهديدات التي تلقاها أسقف وأقباط نجع حمادي أو غيرها من المؤشرات على احتمال وقوع اعتداءات بمناسبة عيد الميلاد القبطي؟ ماذا فعلت تلك الأجهزة بهذه المعلومات؟ هل فشلت أجهزة الأمن في التنبؤ بوقوع الاعتداءات؟
ما هي تفاصيل خطة تأمين الكنائس والتجمعات القبطية في مناطق نجع حمادي وفرشوط خلال فترة احتفالات رأس السنة الميلادية وعيد الميلاد؟ هل كان الوجود الأمني كافياً في ضوء الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ نوفمبر 2009 وحتى 6 يناير 2010؟ هل قامت أجهزة الأمن بدورها في التصدي لهذه الاعتداءات؟
إن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ترفع إلى كل من رئيس الجمهورية، والنائب العام، ورئيسي مجلسي الشعب والشورى التوصيات التالية:
1. فتح تحقيق رسمي وشامل ومستقل، سواء من خلال مكتب النائب العام أو عبر تشكيل لجنة مستقلة خاصة وذات صلاحيات قانونية أو كليهما، من أجل إجلاء حقيقة المسئولية الفعلية أو التقصيرية عن وقوع اعتداءات يناير 2010، على أن يشمل التحقيق جميع الظروف المحيطة بهذه الاعتداءات، على الأقل منذ أحداث فرشوط في نوفمبر 2009 وحتى 10 يناير 2010.
2. إحالة المسئولين عن الاعتداءات الطائفية في كل من نجع حمادي وبهجورة وتركس في الفترة من 6 إلى 9 يناير 2010 إلى المحاكمة الجنائية، وصرف تعويضات عادلة للمضارين من تلك الاعتداءات.
3. إطلاق السراح الفوري لجميع المحتجزين دون وجه حق من مسلمي ومسيحيي مركز نجع حمادي، ومحاسبة المسئولين عن أي اعتقالات عشوائية أو حالات احتجاز غير قانونية.
4. فتح تحقيق فوري ومستقل بشأن التقارير التي تشير إلى تعرض محتجزين للتعذيب واستعمال القسوة داخل مقر مباحث أمن الدولة بنجع حمادي، وإحالة المسئولين من الضباط ومساعديهم إلى المحاكمة الجنائية بتهمة التعذيب.
5. إسقاط الاتهامات الموجهة لنشطاء المجتمع المدني من أعضاء الوفد التضامني مع أهالي نجع حمادي، وتسهيل عمل وسائل الإعلام ونشطاء المجتمع المدني كشركاء محوريين في مواجهة التمييز والتعصب الديني.
6. كفالة حق جميع المتهمين في المحاكمة العادلة، بما يتضمن حقهم في المثول أمام محاكم عادية، ووقف العمل بحالة الطوارئ ومحاكمها الاستثنائية.

لتنزيل التقرير بالكامل فى هيئة ملف PDF

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: