شهيدة دريسدن … وقتلى نجع حمادي


الحوار المتمدن

خالد الكيلاني

ما الذي حدث في مصر؟

حدث ما توقعناه جميعاً وأتت ثقافة الكراهية – التي ظل البعض يزرعونها على مدى أكثر من ثلاثة عقود – أكلها، فمن على منابر عدد غير قليل من المساجد، وبعض الكنائس، وشاشات فضائيات الفتاوى والدجل والشعوذة تجري منذ سنوات طويلة محاولات بغيضة ومستميتة لتدمير هذا الوطن عن طريق زرع الحقد والكراهية والتمييز بين أبنائه، رغم كل أنهار الحبر التي سالت على صفحات الصحف وفي دراسات وأبحاث منشورة وغير منشورة، والتي حذرت مراراً وتكراراً من فقه الفتنة الذي استشرى في هذا المجتمع فقسم أبناء الوطن حسب اعتقاداتهم الدينية، وقسم أبناء الدين الواحد حسب درجة إيمانهم التي يقيسونها – وبؤس ما يقيسون – طبقاً للنقاب واللحية والحجاب.

منذ أكثر من 1400 سنة يعيش أبناء هذا الوطن معاً، مرت بهم كثير من المحن والحروب والمجاعات، وكانت أحداث العنف لا تندلع إلا ثورة على المستعمر الغاشم، أو تمرداً على الحاكم الظالم، وحتى عندما حاول الاستعمار الانجليزي اللعب على وتر الطائفية الدينية لم ينجح، بل لم يبال أحداً بالأمر… لأن هذا الأمر ببساطة لم يكن مطروحاً، وفي مصر الليبرالية ترأس الوزارة والبرلمان مسيحيون مرات عديدة، ليس لأنهم مسيحيون… ولكن لأنهم مصريون. ولم يعرف المصريون الفتنة الطائفية، بل لم يتعرفوا على هذه العبارة أصلاً سوى في أحداث الخانكة عام 1972 وبعدها في أحداث الزاوية الحمراء عام 1981، بعد أن كان المد الوهابي الظلامي قد بدأ يتغلغل في الزوايا والشوارع والحواري … ثم في النفوس، مستغلاً الهزيمة الفكرية والمعنوية للمصريين نتيجة لنكسة 1967.

فشلوا في تقسيم الوطن… وسوف يفشلون، ولكنهم حاولوا وما زالوا يحاولون تقسيم أبناء هذا الوطن. وإلا فليفسر لي أحدكم لماذا تقع يومياً عشرات من حالات الاغتصاب من مجرمين مسلمين على ضحايا مسلمات، ومن مجرمين مسيحيين على ضحايا مسيحيات، ولكن عندما وقعت تلك الجريمة من مجرم مسيحي على فتاة مسلمة تحولت إلى ثأر من كل المسيحيين!!.

وليفسر لي أحدكم لماذا عندما قتلت الصيدلانية المصرية مروى الشربيني بيد مجرم متعصب ومهووس – بالصدفة كان مسيحياً – في محكمة دريسدن الألمانية أثناء نظر قضية بينهما، أطلقت عليها الصحف ووسائل الإعلام لقب الشهيدة لأن أصل النزاع كان بسبب السخرية من ديانة الضحية مروة الشربيني، أو بالدقة من حجابها الذي جعلته – وجعلوه جميعاً للأسف – رمزاً لدينها، وهي بالفعل شهيدة – لا بسبب ديانتها – ولكن لأنها قتلت غدراً وغيلة بسبب دفاعها عن مبادئها.

نفس هذه الصحف ما زالت تصف الضحايا السبعة في حادث نجع حمادي الذين استشهدوا عقب خروجهم من الصلاة ليلة عيد الميلاد بالقتلى!!، رغم أنهم ضحايا لمجرمين متعصبين مارسوا ضدهم القتل على الهوية ودون تمييز، بل دون سابق معرفة أو نزاع … وبسبب ديانتهم أيضاً مهما حاول البعض تزويق الأمور أو تزييفها.

وليفسر لي أحدكم لماذا خرجت المظاهرات في مدن مصر وجامعاتها وطالب الجميع بالثأر لمروة الشربيني، ووصل الأمر إلى مطالبة البعض بقطع العلاقات مع ألمانيا… بل وإعلان الحرب عليها، ولم تخرج مظاهرة واحدة دفاعاً عن دم الضحايا السبع الذين استشهدوا والعشرون الآخرون الذين أصيبوا في مذبحة نجع حمادي، ولماذا انتفضت النقابات وعقدت المؤتمرات والندوات دفاعاً عن دم مروة الشربيني ولم يلتفت أحد لدم بيشوي فريد ابن ال16 عاماً أو دينا حلمي ذات السبعة عشرة ربيعاً أو أبانوب كمال وبولا عاطف يسي ذوي ال19 عاماً أو أيمن زكريا توما أو رفيق رفعت أو أمين الشرطة الشهيد أيمن هاشم، هل دماء هؤلاء ليست كدماء مروة؟!

أم لأن حظهم العاثر شاء أن يقتلوا في نجع حمادي وليس في دريسدن!، ولماذا سافر وفد من المحامين على رأسه نقيب المحامين ومكثوا أسابيع في ألمانيا لمتابعة القضية؟، بينما لم يكلف أحدهم خاطره بالسفر لنجع حمادي للدفاع عن دم ضحايا ليلة عيد الميلاد. بل أن معظمهم تخاذل خوفاً عن الدفاع عن المجرم الذي اغتصب طفلة فرشوط… ليس لأنه مجرم أثم يستحق الشنق لو ثبت أنه ارتكب تلك الجريمة الشنعاء، ولكنهم – ويا للعار – تخاذلوا خوفاً من الدفاع عنه لأنه مسيحي!!

أفهم محاولات بعض الجهات المسئولة في تهدئة الأمور، وعدم تصعيدها، وإبعاد شبح الفتنة… وهذا الأمر مطلوب، ولكنه لا يجب أن يكون أبداً على حساب الحقيقة، ولا يجب أن يكون سبباً للتفرقة بين دماء مروى الشربيني ودماء ضحايا ليلة عيد الميلاد، أو سبباً لأن نجعل من ضحية دريسدن شهيدة، ومن ضحايا نجع حمادي قتلى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: