إنفلونزا الفتنة الطائفية في مصر.. الخنازير سابقاً!


كتب الاستاذ /عادل حمودة  فى جريدة الفجر

ابد أنك مثلي شممت رائحة طائفية تخرج من أفواه غالبية من تكلموا عن أنفلونزا الخنازير المكسيكية.

نسي هؤلاء كالعادة أن يغسلوا أسنانهم بمعجون سيجنال ــ تو.. فهو مكروه شرعا.. في عصر القش.. والمسواك.. بل إنه لم يخطر علي بالهم المضمضة بقليل من مياه النيل.. لعلها تطهر كلماتهم المسمومة.. وتعيد إليهم وطنيتهم المفقودة.

نواب في مجلس الشعب وكتاب في جرائد مختلفة ومذيعون في فضائيات ليلية وجدوا في ذلك الوباء الأسود فرصتهم الذهبية لإعلان حربهم الدينية علي المسيحية.. متسترين وراء الخنازير حتي لا يتهموا بالتعصب.. والتشنج.. والتطرف. صرخوا:”اقتلوا الخنازير”.. “أبيدوهم”.. “اقضوا عليهم”.. وكأنهم في الحقيقة يقصدون إحراج المسيحيين.. وإيلامهم.. ووضعهم في خانة صعبة.. يستحيل النجاة منها.. لكن.. الكنيسة المصرية فوتت الفرصة عليهم.. وحذرت رعاياها من تناول لحم الخنزير مع أن الإصابة بذلك المرض القاتل تأتي عبر الجهاز التنفسي لا الجهاز الهضمي.

تحت قبة مجلس الشعب قالت النائبة ابتسام حبيب:”إنني مسيحية ولكني لم أتناول لحم الخنزير في حياتي.. والإنجيل ليس فيه ما يؤيد ذلك.. لكن.. قبل إعدام الخنازير يجب توفير فرص عمل لعشرة آلاف شخص”.. يمكن أن يشعلوا ما اسمته النائبة جورجيت قليني بـ”ثورة الزبالين”..”الذين حيطلعوا عليكم ياكلوكم”.. فسارع النائب رجب حميدة ليقول:”لو طلعتوا عشرة آلاف إحنا نقدر نطلع مليون”.

وفي ظل هذه التصريحات العصبية ضاعت الحقائق العلمية.. والطبية.. والبشرية.. واتجهنا ناحية العدو الضعيف.. ونسينا العدو القوي.

إن الخنزير حيوان مثل باقي الحيوانات التي خلقها الله وفرض علينا التعامل معها برفق سواء أكلناها أم تركناها.. ولو كان المسلمون لا يأكلون لحمه فإن اليهود لا يأكلون لحم الحيوانات البحرية.. ولا يقربون عرق الفلتو في البقرة.. بعد أن ضرب الرب فخذ نبيهم حسب العهد القديم.. وتحرم غالبية العقائد الآسيوية أكل اللحم بكافة أنواعه.. وتحرض أتباعها علي الاكتفاء بالخضراوات.

ولو مشينا وراء المتعصبين المتشنجين الطائفيين واعتبرنا أنفلونزا الخنازير مسيحية فهل نعتبر أنفلونزا الخيول مسلمة؟.. وبماذا نصنف ديانة أنفلونزا الطيور؟.. هل نعتبرها مجمع أديان؟.

وقبل أن تنسب الأنفلونزا إلي الحيوانات نسبت إلي الدول والقارات.. ورغم ذلك لم نقطع علاقتنا الدبلوماسية معها.. ولم نطالب بمحوها من خريطة الدنيا.. إن الأنفلونزا الإسبانية التي ظهرت عام 1918 انتهت بقتل 40 مليون شخص.. فهل كان لها علاقة بالمسلمين الذين عاشوا قرونا هناك؟.. والأنفلونزا الآسيوية التي انفجرت عام 1956 أجهزت علي 4 ملايين شخص.. وأنفلونزا هونج كونج التي تفشت عام 1968 قضت علي مليوني شخص.. فهل كانت عقاباً من الله نزل علي غير المؤمنين بالديانات السماوية؟.

إن فيروس الأنفلونزا فيروس شديد الذكاء.. يتمتع بحساسية هائلة في مواجهة الأدوية التي يتوصل إليها البشر للقضاء عليه.. فكلما نجحت مضادات حيوية في الإجهاز علي جيل منه خرج جيل آخر بمواصفات مختلفة تنقذه منها.. وكأننا أمام لعبة الكراسي الموسيقية.. مرة ينتصر الإنسان.. ومرة يفوز الفيروس.. ولن تنتهي اللعبة إلا يوم يرث الله الأرض ومن عليها.

ولو كانت تجارة أدوية الأنفلونزا تتجاوز المائة مليار دولار سنويا فإن الناس تدفعها راضية مادامت لم تصل إلي حد الوباء.

ونحن علي ما يبدو أمام وباء جديد.. تحول فيه فيروس أنفلونزا الطيور عبر الخنازير إلي فيروس شرس.. يكفي انتقاله إلي إنسان واحد كي يعدي ملايين غيره بعطسات متتالية.. ويقتلهم في ساعات قليلة.

إن الخنازير هنا مجرد حضانة مؤقتة للفيروس ما أن تخرج إلي الهواء ويستنشقها الناس حتي ينتهي دور الوسيط ويبدأ دور حامل المرض.. لقد خرجت الإصابة الأولي من مزرعة خنازير في المكسيك.. ثم انتقلت إلي مجموعة تقف علي محطة أتوبيس عامة في مكسيكو سيتي.. تلقفها أشخاص من جنسيات مختلفة.. أمريكية.. اسكتلندية.. فرنسية.. وإسبانية.. وكندية.. ونيوزلندية.. حملوها معهم إلي بلادهم.. فتحول المرض في عصر الطيران السريع إلي كارثة عالمية.

ومن هذه الدول إسرائيل الخالية من الخنازير.. فاليهودية تحرم تربيتها وأكلها ورسمها وتصويرها والاقتراب منها.

وأنا لا أحب الخنزير.. ولا أتناول لحمه.. واعتبره حيوانا دنيئاً.. رمراماً.. نصف به من لا يعجبنا من الناس.. وأشعر بقرف شديد من مجرد رؤية زرائبه القذرة التي تتجمع فيها مقالب الزبالة ولو في الصور الفوتوغرافية والمشاهد التليفزيونية.. فهي تكشف عن انهيار حضاري.. مهين.. لا يليق بالمسيحيين قبل المسلمين.. ويجب الانتباه إليها سواء كانت مصدرا لوباء أو كانت بريئة منه.

لكن.. ذلك لا يعني إعدام الخنازير.. نحو نصف مليون رأس.. وتعويض أصحابها بأكثر من نصف مليار جنيه.. هذا تبديد لثروة يمكن استغلالها بطريقة أو بأخري.. كأن يجري فحصها.. والتأكد من سلامتها.. ثم ذبحها.. وتجميدها.. إما لبيعها لمن يشاء أو لتقديمها طعاما رخيصا لحيوانات حديقة الجيزة التي علي وشك الموت من شدة الأنيميا.

لا أدافع عن الخنازير.. وليس من بين أقاربي من يستثمر أمواله في تربيتها.. ولكني اشعر بالخطر من تحميلها كل المسئولية.. فالأخطر منها وبصراحة مزعجة السياح القادمون إلي مصر من دول مصابة.. موبوءة.. هذا هو المصدر الرئيسي لغالبية الحالات التي ظهرت في كل دول العالم ما عدا المكسيك.. البشر هم مصدر العدوي.. حسب ما ذكرت كل تقارير منظمة الصحة العالمية التي قصرت اقتراحها بالنسبة للخنازير علي نقل مزارعها إلي مناطق خارج التجمعات السكنية.. وضاعفت من تشددها علي القواعد الصحية التي أغفلناها في حرب طروادة التي أعلناها علي الخنازير.

نزلت مطار طوكيو في وقت اشتدت فيه موجة من موجات الأنفلونزا الآسيوية فوجدت كل موظفي المطار يضعون كمامات علي أنوفهم وأفواههم بينما أرشدنا أطباء الحجر الصحي إلي منطقة معزولة تبدو نظيفة وجميلة وتمتلئ بالزهور.. ورحنا الواحد بعد الآخر ــ سياح ومواطنون ــ نتعرض لجهاز ما يقيس درجة الحرارة.. موصل بكمبيوتر.. يكشف علي الشاشة ما يتوصل إليه الجهاز.. فلو كانت هناك نتائج غير معتادة جري عزل الشخص والكشف عليه بدقة.. قبل أن يدخل البلاد.. أو يغادرها من المطار.

لم يستغرق الأمر نصف دقيقة.. وهي مدة لا تقارن بمدة التفتيش الأمني التي تستغرق نحو عشر دقائق.. ولا تقارن بمدة التفتيش الجمركي التي تستغرق نحو عشر دقائق أخري. هذه هي الفريضة الغائبة التي نسيها أصحاب المقامات والهامات وهم يلقون باللوم علي الخنازير.. فريضة مراقبة المطارات والموانئ والمنافذ.. ووضعها تحت عيون صحية لا تنام.. لا تنعس.. ولا تقبل الإكراميات.

إن أجنبيا واحدا مصابا ينجح في دخول البلاد دون مواجهة كفيل بنشر الوباء.. وهو ما حدث في كل البلاد المصابة.. انتقلت إليها العدوي من مواطنين حملوها من مكسيكيين.. ولم تنتبه حكوماتهم إلا بعد فوات الأوان.

ويدعم هذا الكلام ما قاله وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي.. لكن المشكلة أن الأساليب البشرية للحجر الصحي لا تكفي ولابد من أجهزة حديثة نسارع باستيرادها فوراً.

إن الأمر أخطر من الخنازير التي جعلناها شماعة نلقي عليها بعيوبنا وأخطائنا في معالجة الأزمة.. الأمر يحتاج إلي توعية شاملة.. وغرفة طوارئ علي أعلي مستوي.. ومنع كل شخص مشتبه فيه من دخول البلاد.. وإعادته من الباب إلي الباب.. وعزل المرضي ولو بالأنفلونزا العادية عن تجمعات المدارس والجامعات والمصانع والسجون.

اتركوا الدين في حاله وتخلصوا من عقدة الطائفية الساكنة في قلوبكم وتحت جلودكم يرحمنا ويرحمكم الله.

رابط المقال http://elfagr.org/TestAjaxNews.aspx?secidMenu=3127

2 تعليقان

  1. مقال رائع … شكراً ليك على مشاركته معانا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: