وباء خير من فتنة!


كتب الاستاذ نصري الصايغ فى جريدة السفير اللبنانية

 اعتدت انفلونزا الخنازير على مصر، وصدر حكم بإعدام الخنازير، برغم براءتها حتى اللحظة، من تهمة الوباء… لجأ المتضررون من حكم الإعدام إلى الشكوى. رفعوا الصوت عالياً، ساروا في تظاهرات عادية، وسقط جرحى…

لا جديد في هذه التداعيات. هناك من يعيش على تربية الخنازير، ومن يعيش على تربية الدجاج والطيور، ومن يعيش على تربية الأبقار… ومن يعيش على ضرب الناس بالهراوات، وتلقين المواطنين آداب الاعتراض، بالصمت الهرمسي. ولا جديد أيضا، في مجتمعات مخلعة اجتماعيا، مضبوطة أمنيا، أن يلجأ المواطنون إلى مرجعيات دينية ومذهبية وطائفية، لحمايتهم وحماية مصالحهم والوقوف إلى جانبهم، لأن صورة الدولة المعتدية، تقابلها صورة الطائفة الحامية.

وعليه، استيقظت مصر على ما يلي: المتضررون من إعدام الخنازير أقباط. وتعالت أصوات قبطية في الداخل والخارج (وتحديدا من الولايات المتحدة الأميركية) تعلن ضرورة العصيان على هذا القرار. وتجرأ البعض على القول: هذا الذي أقدمت عليه الحكومة، ليس قرارا، بل هو فتوى دينية، بحق لقمة عيش آلاف الأقباط، الذين يعيشون على تربية الخنازير. وحجتهم الفاقعة: لماذا لم تصدر الحكومة قرارا بإعدام الطيور، يوم وفدت انفلونزا الطيور؟ ولماذا لم يعدموا الأبقار، يوم أعلن عن جنون البقر؟

حجة طائفية وجيهة، في مواجهة حجج حكومية، لم تقنع الأقباط. وتدخلت الكنيسة المرقصية لإيجاد حل على طريقة: «لا يموت الديب ولا تفنى الخنازير».

يُظَنُّ أن آفة فيروس الخنازير، هي السبب في «الانفجار» الموضعي في مصر. فيما الآفة، في فيروس التدمير المنهجي المزمن، لنسيج الاجتماع المصري. سلطة تحتمي بالشرطة أمنيا، وبمراضاة التطرف السلفي اجتماعيا. وتقيم كرنفالا فولكلوريا من فوق، عبر التودّد بمعسول الكلام، حول الوحدة الوطنية المصرية. ولا يعلو صوت فوق صوتها.

يُظَنُّ أن مشكلة مصر، من خارجها، كمشكلة «شبكة حزب الله». فيما هي مشكلة مصر مع ذاتها، تاريخا وحاضرا ومصلحة. ويظن كثيرا في أمور غيرها، وبعض الظن إثم… وأحيانا، كله آثم.

ولا عتب على مصر، اذا تشبهت في هذا الجانب بلبنان، فحفلة النفاق الوطني، عمرها من عمر لبنان، والتكاذب الطائفي، نسيج الاجتماع السياسي المهلهل. ولا يصمد هذا النسيج أمام ما يرد لبنان من خارجه الإقليمي والدولي، ولا يحمي جسد الكيان، من اهتزازات سياسية.

لا عتب على مصر، لأن اللبنانيين أمهر من احتمى بالطائفية وعَقْدَنَ احتماءه، بأيديولوجية ذات طابع عمومي، تنطلق من التعريف المبرم: «لبنان بلد الطوائف». ولأنه كذلك، يلجأ كل شاك أو متبرم أو… الى طائفته. وعليه، تمتد حماية المرجعية السنية، لقاض يتعرض لهجوم، وتتحول بكركي الى مرجعية لقاض آخر يتعرض لنقد، وتبحث الطائفة الكاثوليكية عن طريقة تحمي بها قاضياً يُلام… الى آخره. …

ولم نعتبر مرة من تاريخنا. الوباء ليس من الخنازير، وليس من الخارج. إن لدينا أوبئة مستفحلة، تحظى برعاية فائقة من القوى السلطوية والسياسية والمذهبية والدينية.

 وبهذه الرعايات تدوم الفتن.

رابط المقال http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=258&EditionId=1227&ChannelId=28258

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: