الله فى الزنزانة !!


منذ الأربعينات كان الكاتب العملاق “مصطفى امين” رئيسا للتحرير ونجما من نجوم المجتمع وقريبا من دوائر السلطة سواء خلال الملكية أو الجمهورية بل إنه صار صديقا شخصيا للرئيس ” جمال عبد الناصر” ولكن فجأة وبوشاية ظالمة من “صلاح نصر” مدير المخابرات المصرية فى ذلك الوقت تلاشى كل ذلك وتحول صديق الرئيس ونجم المجتمع إلى مجرد سجين سياسى منسى ، وخلال فترة سجنه التى إستمرت تسع سنوات كاملة كتب الكثير من الرسائل لأحبائه والمقالات المهربة التى نشرت فى بيروت بإسم مستعار ، ولقد كانت الرسالة التالية والمعنونة بإسم ” الله فى الزنزانة ” هى أولى الرسائل التى امكنه تهريبها من سجنه فى بداية فترة إعتقاله عام 1965.

…………………

سجن القبة ..

يوليو سنة 1965

عزيزتى ……..

         كان من بين وسائل التعذيب التى لجؤا إليها أن صدر قرار بمنعى من الأكل و الشرب ! والحرمان من الأكل مؤلم ، ولكنه محتمل ! الجسم يتحمل الجوع . ولكن العطش عذاب لا يحتمل . وخاصة أننا فى أواخر شهر يوليو . الحرارة قاسية . و أنا مريض بالسكر ، ومرضى السكر يشربون الماء بكثرة ..

وفى اليوم التالى تحايلت على الأمر . دخلت دورة المياه فوجدت فيها اناء للاستنجاء . وشربت مياه الإستنجاء..

وفى اليوم التالى فوجئت بأنهم عرفوا أننى  شربت ماء الإستنجاء ، فوجدت الأناء خاليا ، ووجدت معه ورق تواليت ، واضطررت أن أشرب من ماء البول ! حتى أرتويت !

وفى اليوم الثالث لم أجد بولا لأشربه !

الجوع لمدة ثلاثة ايام امر محتمل ، اما العطش فهو عذاب مثل ضرب السياط . كنت اسير في زنزانتي كالمجنون . لساني جف – حلقي جف . احيانا امد لساني والحس الارض ، لعل الحارس نسى نقطة ماء وهو يغسل البلاط .

وبينما  أن أدور حول نفسى وأنا أترنح ، رأيت باب الزنزانة يفتح فى هدوء ورأيت يدا تمتد فى ظلام الزنزانة تحمل كوب ماء مثلج .

فزعت . تصورت أننى جننت . بدأت أرى شبحا . لا يمكن أن يكون هذا ماء ، إنه سراب .. تماما كالسراب الذى يرونه فى صحراء .. تذكرت ما قاله لى أحمد حسنين باشا الذى أكتشف واحة الفرافرة فى صحراء ليبيا . كان إذا أشتد بهم العطش رأوا أمامهم الماء ، وأسرعوا إليه ، و أرتموا على المكان فوجودوه رملا ! هذا هو السراب . ولكنه فى الصحراء وإنما هو فى سجن المخابرات .

 وما لبثت أن وجدت ان الكوب حقيقى . ومددت يدى ولمست الكوب . فوجدته مثلجا فعلا . وقبضت على الكوب بأصابعى المرتعشة . ورأيت حامل الكوب يضع اصبعه على فمه وكأنه يقول لى لا تتكلم . .

وشربت الماء . . ألذ ماء شربته فى حياتى ! لا أعرف طعم الشامبانيا ، ولكن الماء المثلج أسكرنى . . لو كان معى مليون جنيه  فى تلك اللحظة لأعطيتها للحارس المجهول . .

عادت الروح مع هذا الكوب ! عاد الدم يجرى فى عروقى . عاد عقلى إلى رأسى . . هذا الماء غسلنى  ! غسلنى من الداخل . أعاد البصر إلى عينى ! أحسست بقوة غريبة ! أغنانى الماء عن الطعام . . بل أغنانى عن الحرية . أحسست بسعادة لم أعرفها طوال حياتى . كل هذا من أجل كوب ماء مثلج !

ثم اختفى الحارس المجهول بسرعة كما ظهر بسرعة ، وأغلق الزنزانة بهدوء !

ورأيت ملامح الحارس المجهول . شاب أسمر قصير القامة . ولكنى احسست أنه ملك الجمال . أنه أحد الملائكة ! شعرت فى بعض اللحظات أن أن اليد التى حملت كوب الماء البارد ليست يد بشر ، إنها يد الله !

أحست براحة غريبة  : إننى رأيت الله فى الزنزانة !

لعل هذا هو السبب الذى جعل أحد الزبانية يقول أن الله مسجون فى الزنزانة المجاورة لى ! لا . . . إن الله فى زنزانتى أنا!

ومضت ايام التعذيب دون أن أرى الحارس المجهول . . ثم نقلت من غرفة التعذيب فى الدور السفلى ، إلى غرفة ملحق بها صالون ! نعم صالون فى سجن المخابرات !

وكانوا يغيرون الحراس كل يوم . . وذات يوم رأيت امامى الحارس المجهول . . وكنا على إنفراد وقلت له هامسا لماذا فعلت ما فعلت ؟ لو ضبطوك كانوا سيفصلونك !

قال باسما سيفصلوننى فقط . . ؟ كانوا سيقتلوننى رميا بالرصاص !

قلت : ما الذى جعلك تقوم بهذه المغامرة !

قال : إننى اعرفك وأنت لا تعرفنى . . منذ تسع سنوات تقريبا أرسل فلاح فى الجيزة خطابا لك ، يقول فيه انه فلاح فى إحدى القرى ، وأن أمنية حياته أن يشترى بقرة وأنه مكث سبع سنوات يقتصد فى قوته وقوت عياله حتى جمع مبلغ ، ثم باع مصاغ زوجته ، وإشترى بالمبلغ بقرة . .

وكان أكتر أهل القرية تقى وورعا وصلاة وصياما ، وبعد ستة أشهر فقط ماتت البقرة !

مع أن جميع البقر ، الذى يملكه الفلاحون فى القرية الذين لا يصلون ولا يصومون ولا يعرفون الله ، بقى على قيد الحياة !

وفى ليلة القدر ، بعد ذلك بشهور دق باب البيت الصغير الذى يملكه الفلاح ، ودخلت محررة من ” أخبار اليوم” تجر ورائها بقرة !

وكانت أخبار اليوم قد إعتادت أن تحقق أحلام مئات من قرائها فى ” ليلة القدر ” من كل عام . .

وسكت الحارس المجهول لحظة ثم قال :

– هذا الفلاح الذى أرسلتم له البقرة منذ تسع سنوات هو أبى ! !

ألم أقل لك أن الله كان معى فى الزنزانة ؟ ! . .

………………..

عندما قرأت كلمات المغفور له مصطفى أمين ، تذكرت كلمة السيد المسيحطُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللّهَ” ، حقا لقد إنطبقت الآية على مصطفى امين فقد كان رحيما زرع برحمته الامل فى نفوس الكثير من البؤساء وقد رد له فى زمن شدته له عمل الرحمة الذى صنعه فأحس بالفعل أنه قد رأى الله …

أدعوكم للبحث عن كتب مصطفى أمين وقراءتها فهى تستحق القراءة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: